هذه-أيها الناس- حقيقة الدنيا التي لا تُنكر، وقانون الحياة الذي لا يجحد، فمن عاش في الدنيا فلن يسلم من كربة خفيفة أو ثقيلة، وقد تزول عنه وقد تطول معه.
فمن لكروبنا، ومن لهمومنا، ومن لأوجاعنا، ومن لأحزاننا؟
فمَن لكروبٍ في الحياةِ تعدَّدتْ ... وضاقتْ بها النفسُ الكريمةُ في الورى
فليس لها فوقَ البسيطةِ كاشفٌ ... سوى اللهِ ربِّ العالمين بلا مرا
هذه هي الحقيقة: أن الكروب لا يزيلها إلا علام الغيوب، وقد أيقن بهذه الحقيقة بعض المشركين في الجاهلية، كما قال تعالى: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} [[الأنعام:63 - 64] . وقال: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت:65] .
هذه حال بعض المشركين في الأمس، وأما حال بعض المسلمين اليوم فإنهم إذا مسهم الكرب تركوا الرب وتضرعوا بين يدي الغرب، أو تركوا سؤال الله تعالى وتوجهوا بالسؤال لأصحاب القبور. فسبحان الله العظيم!
أما أهل الإيمان فإنهم إذا اشتدت بهم الكروب، ونزلت بساحاتهم الخطوب وكلوا أمر تفريجها إلى خالقهم وراحمهم سبحانه وتعالى مع بذل الأسباب المباحة الممكنة، فعند ذلك تخفّ عليهم ويقرب رفعها عنهم.
عباد الله، إنه لا يسلم من لفح الكروب أحد ولد إلى هذه الحياة، حتى الأنبياء والرسل عليهم السلام، بل هم أشد فيها من غيرهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل) [1] .
فهذا نوح عليه السلام اشتد عليه أذى قومه وعتوهم مع العمر المديد الذي قضاه في دعوتهم، حينها علم من الله أن لا هداية لهم، فلجأ إلى الله تعالى وحده في هذا الكرب فقال تعالى: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنبياء:76 - 77] .
ولما تكبر فرعون وملأه عن قبول الحق الذي جاء به موسى وهارون عليهما السلام، وأراد قتلهما ومن معهما من بني إسرائيل لجأ موسى إلى الله وحده، فنجاهم الله، قال تعالى: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ} {وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} [الصافات:114 - 115] .
(1) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وهو صحيح.