فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 309

وعندما مسّ أيوبَ كربُ المرض والضر كشفه الله تعالى بلجوء أيوب إليه وحده، قال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء:83 - 84] .

ويونس عليه السلام المكروب في بطن الحوت، قال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء:87 - 88] .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين؛ فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له) [1] .

وزكريا عليه السلام الذي ذاق مُرَّ العقم، فتضرع إلى الله وابتهل بين يديه فرزقه الله تعالى يحيى عليه السلام {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران:39] .

قال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء:89 - 90] .

وإلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يسلم من عناء الكروب المتنوعة من جهات متعددة، ولكنه في كروبه المتلاحقة لم يترك الابتهال بين يدي ربه، وسؤاله كشف كربه. ففي غزوة بدر حين جاءت قريش بحدّها وحديدها تحاد الله ورسوله وتحارب أولياء الله بكبريائها وعنجهيتها حينها مد رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه إلى السماء داعيًا مبتهلًا حتى سقط رداؤه وهو يقول: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض) [2] . فاستجاب الله تعالى دعاءه في كربه فنصره على القوم الكافرين.

عباد الله، إذا نزل الكرب بالناس افترقوا فيه إلى فريقين: فريق يرى للكرب صورة مظلمة قاتمة لا خير فيها، وفريق يرى من خلاله بشائر وأفراحًا تعقب ذلك الكرب، وهذا الفريق الثاني هم أهل التفاؤل واليقين، فيصير الكرب عليهم-وهم على هذه الحال- نعمة لا نقمة، ما داموا مؤمنين صابرين.

قد يُنعمُ الله بالبلوى وإن عظُمتْ ... ويبتلي الله بعضَ القوم بالنِّعم

(1) رواه الترمذي والنسائي في الكبرى، وهو صحيح.

(2) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت