وهذا الفريق الثاني هو الذي ينبغي أن نكون من أهله؛ لنؤجر على الكرب النازل، وليخفَّ علينا نزوله، ولننتظر الفرج القريب بيقين واستبشار؛ فإن الكروب في الدنيا لا تدوم، ولكنها تطول على الساخطين، وتقصر لدى المتفائلين.
عسى الكربُ الذي أمسيتَ فيه ... يكونُ وراءه فرجٌ قريبُ
وقيل:
فلا تيأسْ وإن لاقي ... تَ كربًا يحبسُ النَّفَسا
فأقربُ ما يكونُ المر ... ءُ من فرجٍ إذا يئسا
بمعنى: إذا اشتد الكرب فقد آذن بالفرج؛ كقول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف:110] .
فمن الأمثلة في زوال الكروب العظيمة: زوال طوفان التتار الذي ساح في بلاد المسلمين، وقتل عددًا كبيرًا من أهل الإسلام، وخرّب ديارهم، وأحرق ما يقبل الإحراق مما يعز على المسلمين فقدُه، وفعل ما فعل من التخريب والإفساد.
واسمع ما يقول بعض المؤرخين عن هذه الحادثة التاريخية المهولة، يقول ابن الأثير في"كامله"التاريخي:"قد بقيت عدة سنين مُعرضًا عن ذكر هذه الحادثة؛ استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلًا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيًا منسيًا، إلا أني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترْك ذلك لا يجدي نفعًا، فنقول: عمت الخلائق، وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم، وإلى الآن، لم يبتلوا بمثلها؛ لكان صادقًا؛ فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها. ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث: ما فعله بخت نصر ببني إسرائيل من القتل، وتخريب البيت المقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد، التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس، وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا؛ فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم، وتفنى الدنيا، إلا يأجوج ومأجوج. وأما الدجال فإنه يبقي على من اتبعه، ويهلك من خالفه، وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، شقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
فالكثير من المسلمين ظنوا أن لا تقوم للمسلمين بعد ذلك قائمة.
ولكن انجلى الكرب بصباح الفرج الذي أعاد للمسلمين عزتهم وقوتهم، فاستعادوا بلدانهم، وهزموا عدوهم، بل دخل بعض التتار الإسلام. ثم أقام المسلمون الخلافة العثمانية بعد ذلك، وامتد الإسلام إلى أماكن لم يصلها من قبل.
ولرُبَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى ... ذرعًا وعند اللهِ منها المخرجُ