فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 309

ضاقتْ فلما استحكمتْ حلقاتُها ... فُرِجتْ وكنتُ أظنُّها لا تُفرج

وقبل حادثة التتار يذكر ابن كثير في"البداية والنهاية"في حوادث سنة (449 ه) أنه كان الغلاء والفناء مستمرين ببغداد وغيرها من البلاد بحيث خلت أكثر الدور، وسُدت على أهلها أبوابها بما فيها، وأهلها موتى فيها، ثم صار المار في الطريق لا يلقى الواحد بعد الواحد، وأكل الناس الجيف والنتن من قلة الطعام، بل حتى أكلوا الكلاب والموتى.

ثم انجلت هذه الغمة وعاد الرخاء إلى بلاد المسلمين مرة أخرى.

أيها المسلمون، إن الكروب حينما تنزل بالمسلمين لا تنزل بهم عبثًا من غير حكمة، أو خِلوًا من غير غاية، بل لها حكم وغايات حميدة، فمن ذلك: أن الكروب سبب لتكفير السيئات، وتكثير الحسنات، ورفع الدرجات، إذا صبر المكروب المسلم عندها، فكم من معصية لم تكفرها إلا كربة، وكم من ميزان ثقل لصاحبه يوم القيامة بكرب صبر عنده، وكم درجةٍ بلغها العبد بكربة نالته في الدنيا فاحتسب أجرها عند الله تعالى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلمَ من نصَب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) [1] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يود أهل العافية يوم القيامة -حين يعطى أهل البلاء الثواب- لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض" [2] .

ومن حكم تقدير الكروب: أنها تصقل إيمان المسلم وتصفيه حتى يخرج صافيًا من شوائب النفاق أو الكذب أو الضعف، قال تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:140 - 142] .

ومن حكم القضاء بالكروب: أنها تسوق الناس إلى ربهم وسيدهم بعد أن شردتهم عنه النعم والشهوات والشبهات، فيرجعون بالكروب خاضعين منيبين، قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41] .

ومن حكم حصول الكروب: أنها تعرِّف العبد بأنه لله عبد، فينكسر بين يديه، ويخلع عنه كبرياء النفس وترفُّعَها، فتأتيه الكروب لتجعله متواضعًا لله ولخلق الله.

ومن الحكم كذلك: أن الكروب تعلِّم الإنسانَ الرحمة والعطف على المكروبين من الناس، فمن مسه الكرب تذكّر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثم خرج

(1) رواه البخاري.

(2) رواه الترمذي، وهو حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت