فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 309

فالتجارب البشرية، والأحداث الإنسانية التي يراها الإنسان، أو يسمع عنها، أو يقرأها هي مدرسة للاعتبار التي ينجح فيها من اعتبر بها، واتعظ بنتائجها وعواقبها، فأخذ منها الطريقة الصحيحة للتعامل بها في حياته الخاصة والعامة.

فلما تحزّبت أحزاب الكفر من أجل غزو المدينة لاستئصال المسلمين أشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بخطة حكيمة تقي أهل الإسلام شرَّ تلك الأحزاب الحاقدة، فقال: (يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، ولم تكن تعرفه العرب قبل ذلك) [1] ، فأعجب ذلك الرأي المسلمين فعملوا به.

فهذه تجربة إنسانية احتفظت بها ذاكرة سلمان رضي الله عنه لتكون احتذاء حميدًا على مثال ما كان يجري في أرض فارس عند الحصار.

أيها المسلمون، إن القرارات الحكيمة، والمواقف الصائبة، الخاصة منها والعامة هي التي تُبنى على رويّة تامة، ورؤية ثاقبة، ومن القواعد الراسخة التي تقوم عليها: التأمل في مواطن العظات، والإفادة منها لبناء قرارٍ ما وإنشائه على أسس متينة.

ويوم يكسب الإنسان العبرة من غيره ليقدم على أمرٍ ما أو يحجم عنه فذلك من السعادة، قال ابن مسعود رضي الله عنه:"والسعيد من اتعظ بغيره" [2] .

ولهذا فإن من الصواب: أن قراءة التاريخ والسير، والأمثال والقصص ليس المراد منها التسلية، والقضاء على الفراغ، بل المراد: نقل الصالح منها إلى واقع حيٍّ من القول والعمل، وتجنب أسباب الهلاك التي أودت بأهلها إلى ما لا تحمد عقباه.

ومن هنا كثرت الآيات القرآنية التي تسرد قصص الغابرين؛ لكي تكون عبرة للمعتبرين، وذكرى للمتذكرين.

فأما إن كان الإنسان من أهل الحق، الماضين في الطريق المستقيم فإنه حينما يقرأ قصص الأنبياء والرسل مع أقوامهم وما جرى لهم فسيرى إكرام الله السابغ، وفضله الواسع في إنجاء المؤمنين، ودفاعه عنهم، وحراسته لهم.

يقول تعالى في سورة يونس عن قصة يونس عليه السلام: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس:103] ، وقال عنه في سورة الأنبياء: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء:87 - 88] .فمن العبر التي يستفيدها المؤمن من ذلك: أن يستبشر وهو يسير في طريق الحق أن الله تعالى معه، وسينجيه من المهالك ما دام على الصراط المستقيم.

(1) مختصر سيرة الرسول (ص: 314) .

(2) صحيح مسلم (4/ 2037) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت