فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 309

ومن جهة أخرى فهو عندما تدلهم عليه الخطوب، وتحيط به الكروب، وتصل إليه أذية أهل الأذى، وتضيق عليه الأرض بما رحبت فيقرأ تلك القصص عمن سبقه في طريق الحق فإنه يعتبر بأولئك السلف السابقين، ويصل إلى حقيقة: أنه ليس أولَ من أُوذي، ولا أشد بلاء من غيره، ففي كل وادٍ بنو سعد، وقد يلقى سواه أكثر مما لقي، فعند ذلك يخف ألمُه، ويهون عليه مصابه، قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214] .

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يداوي بالاعتبار من اضطُهِد من صحابته الأخيار- رضي الله عنهم-، فعن خباب بن الأرت-رضي الله عنه- قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو متوسد بُردةً له في ظل الكعبة- قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: (كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) [1] .

أيها الأحبة الفضلاء، وأما إن كان الإنسان من الحائدين عن طريق الهدى، الصادين عن الحق، الظالمين للخلق فقرأ أو سمع قصص الذين خلوا وكانوا مجرمين كيف جاءتهم الذكرى فلم يتذكروا، وامتد لهم الإمهال فلم ينزجروا، فحينها أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، والخزي يحيط بهم، وما ربك بغافل عما يعملون.

ولذلك كانت السور المكية غزيرة القصص القرآنية من أجل أن يسمعها كفار قريش لينظروا ماذا حل بأسلافهم الطغاة العتاة فلعلهم أن يتعظوا فيتركوا الاستمرار في سبيل الطغيان، والصد عن سبيل الرحمن.

قال تعالى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:43 - 45] .

وفي قصص أولئك الغابرين العاصين يذيِّل الله الآيات في ذلك بجملة مؤكدة تبين أن ما سبق من الخبر عمن غبر فيه عبرة لمن اعتبر، يقول تعالى في نهاية قصة فرعون في سورة النازعات: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات:26] .

(1) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت