وقال تعالى في نهاية سورة يوسف: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف:111] .
فمن كان عادلًا عن الصراط المستقيم وقرأ تلك الآيات التي تذكر مصارع المكذبين، ومهالك العاصين، وكان له عقل راجح، وقلب واعٍ فإنه سيعتبر، وسيعود عن طريقه المعوج إلى سلوك سبيل الحق القويم.
أيها الإخوة الكرام، من الموارد التي يُفاد منها الاعتبار بعد القرآن الكريم: التاريخ والسِّيَر، فالتاريخ الإنساني مخزن مليء بالعظات في جميع جوانب الحياة، كالجوانب الدينية، والسياسية، والعسكرية والاقتصادية، والاجتماعية، وغيرها. فهو سجل حافل، ومخزون واسع من الدروس المفيدة التي قد تصنع نجاحات في الحاضر والمستقبل لمن أحسن الاعتبار بها.
فالتجارب الإنسانية-وهي جزء من التاريخ- ليست حكرًا على أهلها، بل هي حق مشترك لجميع الناس، يأخذ المتأخر العبرة من المتقدم.
قال ابن خلدون:"اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم، وسياستهم؛ حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا" [1] .
وقال الشاعر:
اقرأِ التاريخَ إذ فيه العِبرْ ... ضلّ قومٌ ليس يدرون الخبرْ
فمن كان عنده وعي تاريخي فسيعرف به سنن الله في خلقه، حيث يرى من سقط لماذا سقط، ومن ارتقى لماذا ارتقى، ومن عوقب لماذا عوقب، ومن عزّ لماذا عز؟.
وأحوجُ الناس إلى هذا الوعي التاريخي من المسلمين: أصحاب القرار أو التأثير في المجتمع؛ لأنهم إذا كانوا وعاة معتبرين، وفيهم حرص على الخير للمسلمين؛ فإنهم سيرسمون لأهل الإسلام طريق الحاضر والمستقبل على معالم مستوحاة من الإرث الديني والتاريخي الحق.
وإن من الأشياء التي تدعو للعجب: أن التاريخ الإسلامي غني بالعِبَر التي لو أحسن أولو الأمر من المسلمين استيعابها واستثمارها في واقع المسلمين لعاد للمسلمين عزهم، وارتقت حضارتهم المعاصرة إلى صفوف متقدمة.
(1) مقدمة ابن خلدون (1/ 18) .