أيها الفضلاء، إن أعداء المسلمين اليوم قد أصبحوا أكثر خبثًا منهم بالأمس؛ فقد صاروا يكيدون للإسلام والمسلمين كيدًا ليس له مثيل، وينتهجون لهذه الغاية الماكرة طرقًا عديدة، ومن ذلك: الاعتبار بالتاريخ؛ فاليهود اليوم يؤججون نيران حقدهم بوقود من عِبَر التاريخ: فبنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وما جرى لهم من عدل السماء على الأرض ما زالت روح الانتقام لهم، والثارات لدمائهم الغادرة، وجلائهم العادل؛ حاضرةً في العقلية اليهودية اليوم. وخيبر وحطين ونحوهما من الملاحم لم تغب عن الذهن اليهودي كذلك.
وطريق تعاملهم مع الآخرين-خصوصًا مع المسلمين- لم تزل مُشعلَة بالاعتبار بأزمنتهم الماضية، وما جرى منهم ولهم فيها، وعلى سبيل المثال: فثقافة الاحتقار، ونقض العهود قانون يسيرون عليه في كل زمان ومكان، فكيف يُرجى معهم سلام مع أهل الإسلام؟!
قال تعالى: {أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [البقرة:100] .
والغرب النصراني اليوم أيضًا ما فتئت الحملات الصليبية ترفرف في خياله، وتحتل مكانًا واسعًا في باله، وجدول أعماله؛ إذ ما يزال ينتقل من حملة إلى حملة إلى بلاد المسلمين بطريق مباشر أو غير مباشر، ولكنه غيّر أسلوب حملاته إلى طريق خبيث مخبَث ألا وهو أسلوب خوض الحرب بأقل الخسائر، أو بالتكلفة الصفرية تحت مِظلة الفوضى الخلاّقة.
بحيث يجعل بلاد المسلمين بؤرة صراعات مستديمة بأيدي أهلها، ومهمته في هذه المعارك المصنوعة أحيانًا: التأجيج، ورسم الخطط لعملائه، وبيع السلاح لطرفي الصراع، والإشراف المستمر على المعركة، وتحديده النهاية التي يريدها.
فمتى ستحصل اليقظة التاريخية-معشر المسلمين-، وينقشع ضباب الغباء التاريخي؛ لنعرف أن العدو النصراني اليوم هو خليفة عدو الأمس النصراني، وأن زعماء الحملات المعاصرة هم خلفاء لويس التاسع وغيره من قادات الحملات الصليبية الخالية.
أيها المسلمون، إن من موارد العبرة أيضًا: الواقعَ الذي يعيش فيه الإنسان، ففيه عبرة لمن أراد الاعتبار.
وذلك آت من النظر والتأمل في ماضي الإنسان، وسنوات عمره السالفة؛ فإنه كلما امتد به الزمان، وتعاقبت عليه أحداث الأيام، فإن كان عاقلًا فسيأخذ من زمانه الفائت دروسًا حياتية لزمانه الآتي: لحاضره ومستقبله، فيستدرك ما فات، ويصلح ما أفسد، فيصير بذلك حكيمًا يضع الأمور في مواضعها، فلا يقدم على أمر جلل إلا ولديه بصيرة تنير له الطريق، ولا حكيم إلا ذو تجربة، كما قيل.