وكما يأتيه الاعتبار من واقعه هو، يأتيه كذلك من واقع الآخرين وما جرت لهم من أحداث ومواقف. وذلك أن الحياة تجري بالناس من غير تريث، حيث يشاهد الإنسان أولئك الناس، أو يسمعهم، أو يقرأ أخبارهم، فإن كانت تجاربهم، وأحوالهم آلت إلى غاية حميدة في أمر ديني أو دنيوي-والطريق إلى ذلك مشروعة- اقتدى بهم، وسلك سبيلهم؛ لينال ما نالوا أو يقارب.
وهذا الائتساء سيخفف عنه الجهد والوقت، والتفكير الطويل، والبحث عن أسباب النجاح، فجاءت إليه تلك التجربة الناجحة مجانًا بعد أن ذاق أهلها مشقاتً متنوعة حتى وصلوا إليها.
وإن كانت تجاربهم قد صارت إلى نهايات سيئة، وعواقب غير محمودة اجتنب ذلك الطريق الذي سلكوه، والنهج الذي انتهجوه حتى وصلوا إلى تلك الغاية المخفقة، فعرف عند ذلك أن تلك الطرق غير صالحة للاقتداء، وغير آمنة العواقب لمن سلكها.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون، وبعد هذا: فإن المطلوب منا أن نكون من أهل الاعتبار، وأن نظل من أهل الادكار، نعتبر بما ذكره القرآن، والسير والتاريخ، والواقع من الأحداث البشرية فنقتدي بما يصح فيه الاقتداء، ونحذر التجارب السيئة التي تؤدي إلى الشقاء، فلا نجرِّب المجرب السيء؛ إذ تجربة المجرَّب السيء حمق.
فالمؤمن كيِّس فطِن، ليس بالخِبِّ ولا الخب يخدعه، يعتبر بغيره، ولا يكون عبرة ذميمة لمن تلاه.
كما أنه لا يُلدغ من مكان واحد مرة بعد مرة؛ لأن اللدغة الأولى تكفي لاستيقاظ من كان ذا عقل وبصيرة، وأما فاقد الوعي فإنه يظل يستقبل اللدغات لدغة إثر لدغة من غير اتعاظ. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين) [1] .
(1) متفق عليه.