فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 309

المواقف والأحوال. أما الذين ذبلت عندهم المشاعر أو انحرفت عن مسارها الصحيح فإن بعض أعمالهم تسوء، وبعض مواقفهم تذم؛ إذ يصبحون بذلك بعيدين عن حياة الأحياء بقدر بُعد مشاعرهم عن الإحساس بالآخرين.

إن المشاعر الحية النقية بلسمٌ للنفوس ودواء للقلوب، تحيا المجتمعات بحياتها، وتذبل بجفافها، والمشاعر الجارحة والمسيئة تَفصم عرى الروابط المحمودة، وتشد أسبابَ الشقاق والقطيعة، وتنفِّر النفوس من النفوس، والقلوب من القلوب، وتدعو إلى الافتراق والحياة الفردية الموحشة.

عباد الله، إن النفوس البشرية تحب من يحسن إليها، ويشاركها مشاعرها وأحاسيسها، وتكره من لا يهتم بها، ولا يشعر بما تشعر به.

وإن من الحصافة والكياسة أن يحرص الإنسان على كسب النفوس والاقتراب منها، ومما يساعده على ذلك: مراعاة مشاعر الناس باستعمال الأفعال والأساليب والأخلاق المشروعة التي تدل على حب الخير لهم والاهتمام بأحوالهم.

وهذا الشعور الحي يجعل الناس متقاربين غير متباعدين، ومتحابين غير متباغضين، ومتآلفين غير مختلفين.

ولهذا جاء الإسلام الحنيف حاثًّا على الاهتمام بمراعاة مشاعر الناس، والرفق بأحاسيسهم، وقد ظهر بعض ذلك في أحكام شرعية شرعها، وآداب إسلامية دعا المسلمين اليها. فمن ذلك:

أن الشرع حرم الخِطبة على الخطبة، وحرم البيع على البيع، وأوجب على الزوج العدل بين زوجاته، وعلى الوالدين العدلَ بين أولادهما.

وأمر بإعطاء المطلقات شيئًا من المال بعد الطلاق؛ تعويضًا لوحشة الطلاق وانكسارِ مشاعر المرأة المطلقة، هذا إذا حصل عقد ودخول، فإن حصل العقد وتسمية المهر من غير دخول فطلقت المرأة فإنها تعطى نصفَ المهر المسمى.

وكذلك شرع الإحداد للمرأة، فأمرها أن تحد على الزوج أربعة أشهر وعشر ليال، وعلى القريب الميت أباح لها الحداد ثلاثة أيام. وأباح البكاء على الميت من غير نياحة وأفعالٍ تدل على الضجر من نزول القدر. وكذلك دعا الورثة والأوصياء عند تقسيم تركة الميت إلى إعطاء الأقارب غير الوارثين واليتامى والمساكين شيئًا من المال تطييبًا لمشاعرهم، وحرّم تخصيص بعض الورثة بزيادة على نصيبهم من التركة.

كما أنه دعا إلى الإحسان إلى اليتيم والأرملة والمسكين، ودعا إلى التمسك بآداب الاستئذان، وآداب المجالس، وآداب قضاء الحاجة، ودعا إلى الشكر والمكافأة على المعروف، وغير ذلك من الأحكام والآداب. وهذا التشريع لهذه التشريعات- يا عباد الله- كان من حِكمه: مراعاة المشاعر، وجبر القلوب، وكسب النفوس.

أيها المسلمون، إن من أسباب الحياة الطيبة والعيشة الهنية: أن يعيش المسلم بين مجتمعه حيَّ المشاعر، مرهف الحس، يشعر بما يشعر به الناس، مرافقًا لهم في آمالهم وآلامهم، قريبًا منهم غير بعيد عنهم.

وإن من أسباب الشقاء: أن يكون الإنسان جافّ المشاعر، متبلّد الإحساس، لا يهمه غير نفسه، ولا يبحث إلا عن مصلحته، ولا يعيش إلا في عالم صغير هو نفسه فقط.

فدعونا اليوم-أحبتي الكرام- نعرض بعض الأقوال والأعمال التي تَنمُّ عن مشاعر حية لدى أهلها، وبعض الأفعال والأقوال التي تُفعل مراعاة للمشاعر، وبعض الأعمال والأقوال التي تنبع من مشاعر جافة، وأحاسيس شبه ميتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت