ولن يكون عرض هذه المشاعر بنوعيها: الحية والميتة عن صنف معين، ولا في مكان محدد هي فيه، بل سنراها بين الأقارب، وبين الأصدقاء، وبين الجيران، وبين الناس عامة.
وسنراها في بيوتنا ومجالسنا ومنتدياتنا، وشوارعنا وأسواقنا، وأعمالنا ووظائفنا، ومساجدنا ومراكزنا، ومدارسنا وجامعاتنا، وعلى المنوال نفسه في كل مكان كنا فيه.
عباد الله، إن من أعظم الناس حقًا أن تكون المشاعر حية معهم: الوالدان؛ فإن الواجب نحوهما عمومًا: البر بهما، وعدم عقوقهما. ومن مظاهر المشاعر الحية معهما: إبداء الاحترام والتوقير، والإجلال والاهتمام بالأقوال والأعمال، وتقديمهما في العطاء والكلام والمكان في البيت وفي السيارة، وغير ذلك.
ومن جفاف المشاعر معهما: ترك السؤال عن أحوالهما، وقلة الاتصال بهما إذا كانا بعيدين، وتقديم الزوجة والأولاد عليهما.
ومن الناس الذين تنبغي مراعاة المشاعر معهم: الأولاد، فمن الشعور الحسن معهم: العدل بينهم، وإظهار الحب والاهتمام بهم وبدراستهم وبهواياتهم المباحة. ومن جرح مشاعرهم: التفوّه بالأفعال، أو إظهار حركات تتعلق بالممارسة الجنسية، ومدح أولاد الآخرين أمامهم والتحجيم من أقدارهم.
أيها الأحبة، إن الحياة الزوجية تحتاج أيضًا إلى أن تعيش فيها حياةُ المشاعر؛ لأنها تزيد رسوخها، وتبهج مسيرتها. فمن مراعاة المشاعر فيها: الثناء المتبادل بين الزوجين على الفعل الحسن والقول الجميل؛ كأن تصنع المرأة لزوجها شيئًا تريد به كسب ودّه، ومثل أن يهدي الزوج زوجته هدية يروم من ذلك إكرامها وزيادة حبها. وغير ذلك من الأمثلة.
وإن من جفاف المشاعر وانحرافها: ثناء الزوج على امرأة غير زوجته وإظهار إعجابه بها، وإبداء الزوجة إعجابها برجل غير زوجها والإطراء عليه أمام زوجها، ومن جرح المشاعر: إساءة الزوجة إلى أقارب زوجها في وجهه، وشتم الزوج أقرباء زوجته وهي حاضرة.
معشر المسلمين، لابد أن يكون المسلم حيَّ المشاعر مع أقاربه، فمن مظاهر حياة المشاعر معهم: مشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم، والسؤال عنهم، والإحسان إليهم بالقول والفعل والمال والصلة.
ومن جرح مشاعرهم: الإحسان إلى غيرهم وترك الإحسان إليهم، والتباهي عليهم بالنعمة من مال أو جاه وعدم التواضع لهم، وتناسيهم وقت الشدائد والحاجات.
ومن أقرب الأقربين: الأخوة، فمن المشاعر الحية: أن يحترم الأخُ الصغير الأخَ الكبير فيقدمه ويسمع قوله في الحق، فيكون كالولد البار، وأن يظهر الأخ الكبير عطفه ورحمته بالأخ الصغير، فيكون كالأب الحاني، ومثل ذلك يقال في الأخوات فيما بينهن. وقد ضرب نبي الله يوسف عليه السلام مثالًا رائعًا في مراعاته لمشاعر إخوته، وهو في عز السلطان والملك، وهم بين يدي نعمته محتاجون إليه، فانظروا كيف كان حي المشاعر معهم:
فإنه عليه السلام قال-كما قال الله تعالى-: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [يوسف:100] ، فذكر أذيةَ العزيز له بسجنه، ولم يذكر أذيتهم له بإلقائه في الجب، وقال: {وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} فلم يقل: جاءت بكم الحاجة والفقر إليّ، وقال: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} فذكر السبب وهو الشيطان ولم يذكر الفاعل المباشر وهم إخوته. هكذا يصنع الكبار، فذكرُ الجفاء أيام الصفاء جفاء، كما قيل.