فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 309

أيها الأحبة الفضلاء، وللأصدقاء حق من المشاعر الحية، ويبدو ذلك في: تفقّد أحوالهم، وزيارتهم والاتصال بهم، والاهتمام بهم في سرائهم وضرائهم، فالصداقة الصادقة هي التي يعيش فيها الأصدقاء بمشاعر مشتركة بعضهم تجاه بعض، وفي جثوم الأزمات والخطوب المدلهمات يَعرف الصديق من يحبه ممن لا يحبه، ومن هو صادق المودة له ممن يصادقه لمصلحة يجتنيها منه، فإذا نالها ألقى صديقه كقِنِّينة الماء بعد قضاء الحاجة منها، فلله كم في الشدائد من تمييز وغربلة ودروس ومعرفة بحقائق الناس وخبايا قلوبهم نحو غيرهم.

ومن الناس الذين ينبغي الرفق بالمشاعر معهم: الجيران، ومن صور ذلك: مساعدة غنيهم فقيرَهم، وقويهم ضعيفهم، وتقاسم الأفراح والأتراح معهم. ومن جرح مشاعر الجار: نسيانه إذا سافر، وتركُ السؤال عنه، وعمن ترك من أهل وولد، والفخر عليه بالنعم، وتعييره- تصريحًا أو تلميحًا- بالقلة أو العيلة أو الدنوّ الاجتماعي. وغير ذلك.

عباد الله، ما أجملَ أن يكون الإنسان حي المشاعر مع العلماء، ومع كبار السن، ومع الأطفال، فمن مظاهر حياة الشعور مع هؤلاء: إنزال العلماء منزلة الاحترام والتبجيل باستعمال كل قول وفعل يدل على ذلك، من غير مغالاة ولا تقديس، وإجلال كبار السن وتوقيرهم، والرحمة بالأطفال والابتسامة في وجوههم، والمزاح الذي يدخل عليهم السرور. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس من أمتي من لم يجلّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه) [1] . وكان لأخٍ لأنس بن مالك رضي الله عنه عصفورٌ يلعب معه يقال له: نُغَر، فمات فحزن عليه الصبي فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلِّيه وقال له: (يا أبا عمير، ما فعل النغير؟) [2] .

أيها المسلمون، ما أحسنَ أن يكون المسلم ذا مشاعر حية في بيوت الله، ومن صور ذلك: أن لا يؤذي المصلين برائحة كريهة صادرة عنه، ولا بصوت مرتفع، ولا برنة جوال مزعجة.

وما أطيبَ أن تحيا المشاعر في أماكن التعلم والتعليم من مدارس وجامعات، بين المعلمين والمتعلمين، فالمعلمون يحسنون تقديم المادة العلمية، ويحسنون التعامل مع من يتلقى تلك المادة عنهم، وأن تكون معاملاتهم لتلاميذهم كمعاملة الأب الشفوق لأولاده.

وعلى المتعلمين الترفق بمشاعرهم نحو معلميهم، فلا يعملون أعمالًا تستثير غضب أساتذتهم، كعقد المقارنة العلمية بين معلميهم ومعلمين آخرين وإبداء أن أولئك أحسن تعليمًا منهم.

وأجمِلْ بالمضيف والضيف حينما تبدو على أقوالهما وأفعالهما مراعاةُ المشاعر، فربُّ الضيافة يحسن الاستقبال بالبسمة الصادقة والسرور الكبير، والإكرام المستطاع، والضيف يحسن الزيارة بالاستئذان في الأوقات المناسبة، وأن يكون خفيفًا لطيفًا، وأن لا يهجم على صاحب البيت هجومًا كاسحًا يغتال عليه الراحة والعمل الذي يحتاج الاستمرار معه من غير قاطع.

وأعظِمْ بالمجالس التي يجتمع فيها الفقراء والأغنياء وتكون المشاعر الحية حاضرة، وخشونة المشاعر غائبة، فمن حسن المشاعر: أن لا يتحدث الأغنياء عن صفقاتهم وأرصدتهم ونفقات سفرياتهم وأموالهم الكثيرة من غير ضرورة؛ حتى لا

(1) رواه أحمد والحاكم، وهو حسن.

(2) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت