يكسروا قلوب جلسائهم الفقراء. ومن حسن المشاعر لدى الفقراء: أن لا ينظروا إلى الأغنياء نظر حقد أو طمع أو استعطاء ولا يعرضوا ما هم عليه من الفاقة والأقدار المؤلمة التي تحتاج إلى مال؛ فإن هذا قد يضيق على الأغنياء مجلسهم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
أيها المسلمون، إن من المظاهر العامة لحياة المشاعر التي تؤثر على النفوس وتجذبها: الزيارة بين الأقارب والأصدقاء والجيران؛ من أجل تعاهد رياض المودة؛ لأن تلك الرياض تذبل بالجفاف والقطيعة. ومن الزيارة المأجور عليها أجرًا عظيمًا: زيارة المريض؛ لأنها من إدخال السرور عليه، وتخفيف ألمه؛ إذ يحس أن هناك من يشعر بوجعه. لكن على أن تكون الزيارة -عمومًا- من غير إكثار ولا إملال، فزر غِبًّا تزددْ حبًا.
ومن المظاهر الحسنة التي تنم عن المشاعر الطيبة وتنمّي المشاعر كذلك: مناداة الناس بأحب الأسماء والألقاب والنعوت الصادقة التي يحبونها، من غير تنابز أو تعييب أو تنقيص.
ومن المظاهر: سماع حديث المتكلم والإنصات لكلامه، والنظر إليه وعدم مقاطعته؛ لأن هذا الأدب يشعر المتحدث أن كلامه مسموع، وأن سامعه محترم لحديثه.
ومن المظاهر كذلك: استئذان صاحب الحق في استعمال حقه، ومن أمثلة ذلك: السيارة، والجوال.
ومن المظاهر: الستر على عيوب المسلمين المشاهدة أو المسموعة، خاصة في المجالس، كأن السامع لم يسمع، والرائي لم يرَ.
ومن المظاهر: العيش مع المسلمين بقلب حي، وضمير متقد يفرح بأفراح المسلمين في أي مكان، ويحزن لأحزانهم.
ومن المظاهر: الثناء على المحسنين، وشكر المنعِمين، سواء كان الإحسان حسيًا أم معنويًا، وهذه المكافأة على جميلهم تحملهم على الاستمرار في العطاء.
عباد الله، وفي مقابل هذه المظاهر التي تدل على حياة المشاعر تبدو من أناس آخرين أعمال وأخلاق أخرى تُظهِر تصلّب مشاعرهم وتكلُّسَها بسبب نقصان عناصر الحياة فيها، فجفاف مشاعرهم، وانحراف أحاسيسهم، وبرود عاطفتهم هي الأحوال المسيطرة عليهم.
فمن نتائج تلك المشاعر المريضة أو الميتة: الاستهزاء بالآخرين: بخَلقهم أو خُلقهم، أو بلدانهم أو قبائلهم ومناطق سكنهم، أو بلغاتهم أو لهجاتهم، أو بوظائفهم ومِهَنهم.
ومن النتائج: عتاب المخطئ في العلن من غير داعٍ للإعلان، والإسراف في التوبيخ والتقريع.
ومن النتائج: شرب الدخان في الأماكن العامة، وإجبار الناس على سماع ما يكرهون من الباطل بأساليب متعددة، والإسراع بالسيارة أو الدراجة النارية بين الناس إذا أدى إلى إفزاعهم وإيذائهم أو كسر قلوبهم.
وغير ذلك من النتائج والمظاهر.