أيها المسلمون، إن الناس مختلفون في الجهات التي يُصرف إليها الحب؛ فلذلك صار الحب نعمة عظيمة على بعض الناس، ونقمة شديدة على آخرين.
فالحب إذا اتجه إلى سبيله الصحيح بُنيت به الحياة، وعُمرت به الأرض، وسعد سكانها، وتلذذت الروح، واستراح البدن، وصلحت الدنيا والآخرة.
عباد الله، إن أعظم من يُصرف له حبُ المحبين، ووداد الوادّين، هو الله رب العالمين سبحانه وتعالى. فالمحب الصادق لله تعالى يحب ذاته وأسماءه وصفاته، وأفعاله ودينه الذي شرعه. وكيف لا نحب الله تعالى حبًا لا يعلوه حب، وهو ذو الكمال والجلال والجمال. وكيف لا نحب الله عز وجل وهو الذي خلقنا ورزقنا وصوّرنا فأحسن صورنا، كفانا وآوانا، وحمانا وأعطانا. إن أحسنا آجرنا وأثابنا، وإن أسأنا حلم علينا وأمهلنا، وإن تبنا رحمنا فغفر لنا. وكيف لا نحب ربنا تبارك وتعالى، وكل خير نحن فيه فمن عنده، وكل شر دُفع عنا فمن فضله.
أيها الأحبة الفضلاء، إن محبة الله تعالى ليست دعوى تقال على اللسان، أو تكتبها البنان، بل هي عقيدة في القلب، وعمل صادق على الجوارح، واستقامة تامة على ما يحب الله ويرضى.
ولذلك كذَّبَ اللهُ تعالى اليهودَ والنصارى الذين زعموا حبه وهم يعصونه فقال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [المائدة:18] .
قال الشاعر:
تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس شنيع
لو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
إن المحب لله تعالى حبًا صادقًا يستريح إذا سمع ذكر الله تعالى، ووصل إلى سمعه ذكرُ أسمائه وصفاته،
قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28] .
بخلاف المشركين به الذين قال الله فيهم: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر:45] .
والمحب لله حبًا صادقًا مسارعٌ إلى طاعة الله، بطيئًا إلى معصيته، فمن أحب الله أطاعه واتبع رضاه.