فمن الآداب عند نية السفر: أن يستخير المسافر ربه تعالى في سفرته التي ينويها؛ ليطلب بذلك توفيق الله وعونه واختياره له، والاستخارة أدب جاء به الإسلام فمحى به ما كان يعتاده أهل الجاهلية إذا أرادوا المضي في أمرٍ ما- ومنه السفر- حيث كانوا يتطيرون بحركات الطيور، فما ولى المسافرَ منها ميامنَه تفاءل وسافر، وما ولاه مياسرَه تشاءم وقعد.
وعلى المسافر كذلك: أن يستشير أهل الخبرة والعقول والمعرفة، ويستأذن والديه إن كانا حيينِ أو أحدهما، ثم يمضي بعد ذلك إلى وجهته، ومن الآداب: أن يتوب المسافر إلى الله تعالى من جميع ذنوبه، ويتخلص من المظالم التي عليه-إن كانت- فربما وافاه الأجل في سفرته قبل عودته، فما أحسن أن يلقى المسلم ربه نقيًا من الذنوب، خفيفًا من حقوق الناس! قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان:34] ، ومن الآداب: أن يوصي المسافر وصية مكتوبة في الحقوق التي له على الناس، وفي حقوق الناس عليه، وهذه وصية واجبة، وله أن يوصي أهله وغيرهم بتقوى الله وغير ذلك مما يريد من الخير بعده، وهذه وصية مستحبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) [1] .
وعلى المسافر أن يتزود من المال الحلال بما يكفيه في سفره، وأن تكون أوراقه التعريفية به معه، مصطحبًا معه بعض الأرقام الهاتفية لأقاربه في جواله أو في دفتر له، إن دعت حاجة لذلك.
ومن الآداب أن يعلم أحبابه بسفره ليظفر بدعائهم؛ فإنه من الخير للمسافر، ويودعهم ويصافحهم؛ فقد كان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم توديع المسافرين، وتوديع المسافرين له، والدعاء والوصية بالخير لمن سافر، ولمن أقام، فعن موسى بن وردان قال: أتيت أبا هريرة أودعه لسفر أردته، فقال أبو هريرة رضي الله عنه: ألا أعلمك -يا ابن أخي- شيئًا علمنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوله عند الوداع؟ قلت: بلى، قال: قل: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه) [2] ، هذا يقوله المسافر للمقيم، وأما المقيم فيقول للمسافر ما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ودع رجلًا أخذ بيده فلا يدعها حتى يكون الرجل هو يدع يدَ النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: (استودع الله دينك وأمانتك، وآخر عملك) [3] ، وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أريد سفرًا فزودني، قال: (زودك الله التقوى، قال: زدني، قال: وغفر ذنبك، قال: زدني - بأبي أنت وأمي- قال: ويسر لك الخير حيثما كنت) [4] .
ومن الآداب والأحكام-معشر المسلمين- أنه لا يجوز للمرأة المسلمة أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم؛ لأن سفرها بدون ذلك يعرضها للخطر، ويعرض غيرها للفتنة بها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله
(1) متفق عليه.
(2) رواه ابن ماجه والنسائي وأحمد، وهو صحيح.
(3) رواه الترمذي، وهو صحيح.
(4) رواه الترمذي وابن خزيمة، وهو حسن.