فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 309

نبال أدعيته مصيبة، وإن تأخر الوقت، قوسه قلبُه المقروح، ووتره سواد الليل، وأستاذه صاحب:"لأنصرنك ولو بعد حين"، وقد رأيتَ، ولكن لستَ تعتبر، احذر عداوة من ينام وطرفه باكٍ يقلب وجهه في السماء، يرمي سهامًا ما لها غرض سوى الأحشاء منك"."

دعوة المظلوم سفينة فضائية سريعة أسرع من الضوء، بل لا تقاس بسرعة أسرع شيء في حياتنا، هذه السفينة تنطلق حاملة أنين المكلومين، ودموع المقهورين، وتوجع المتوجعين، وآهات المتأوهين، ورجاء الآملين بمن لا يظلم عنده أحد، وبمن حرم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرمًا، الذي قال عن نفسه: {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49] .

قيل لعلي رضي الله عنه:"كم بين العرش والتراب؟ فقال: دعوة مظلوم مستجابة".

إنها دعوة لا تقف أمامها الأبواب، ولا تصدّها الشُرَط ولا الحُجّاب، وكلما قوي الظلم قويت ضراعة المظلوم فالتهبت دعوته فكانت أسرع نفاذًا، وأقرب قبولًا؛ لأنها اتجهت إلى باب الله، ولم تتجه إلى أبواب رؤساء الدنيا وملوكها:

وأفنيةُ الملوكِ محجَّباتٌ ... وبابُ اللهِ ليسَ لهُ فَنَاءُ

أيها الأحبة الفضلاء، إن دعوة المظلوم دعوة مستجابة مسموعة لا تُرد؛ لأنها صدرت من لسان الاضطرار، ولسان التفويض الكامل من العبد الفقير الضعيف العاجز إلى المعبود الغني القوي القادر، قال تعالى {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل:62] .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإياك ودعوة المظلوم فإنها تستجاب) [1] ، وقال عليه الصلاة والسلام: (ثلاث لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم) [2] .

ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن يحيى بن خالد البرمكي-أحد وزراء بني عباس- قال له أحد بنيه -وهما في السجن والقيود-: يا أبت، بعد الأمر والنهي والنعمة صرنا إلى هذا الحال؟! فقال: يا بنى، دعوة مظلوم سرتْ بليلٍ ونحن عنها غافلون، ولم يغفل الله عنها! ثم أنشأ يقول:

رُبَّ قومٍ قدْ غدوا في نعمةٍ ... زمنًا والدهرُ ريَّانٌ غَدقْ

سكتَ الدهرُ زمانًا عنهمُ ... ثم أبكاهمْ دمًا حينَ نَطق!

(1) رواه الطبراني، وهو صحيح.

(2) رواه أحمد وابن حبان، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت