فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 309

فمن الأولاد من يظلم والديه بقلة بره، وكثرة عقوقه، فكم من ابن عق أباه أو أمه، وكم من بنت عقت أباها أو أمها، فصبر الوالدان، لكن لما استمر لهيب العقوق، واختفت ظلال البر، لم يجد الوالدان أو أحدهما-عند ذلك- إلا الدعاء على الابن العاق أو البنت العاقة، فتصعد دعوة مظلوم -وأيُّ مظلوم! إنه أب أو أم! - إلى السماء فتستنزل من ربها العقوبة على الأولاد الظالمين بالعقوق.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم) [1] .

وقد يكون الظلم بين الزوجين، فيقهر زوج زوجته القائمة بحقوق الله وحقوقه، فيمنعها ما يجب عليه من الحقوق، ويتعدى عليها بما يؤذيها، وليس لها من يردعه عن غيه، ويعيده إلى رشده، فلا تجد لها ناصرًا إلا دعوة مظلوم ترفعها إلى الحي القيوم، وقد تكون الزوجة هي الظالمة لزوجها بإيذائها له، وتسلطها عليه، ومنعها حقوقه، وليس من قدرة لكبح جماح ظلمها؛ لضعفه، أو لقوتها بقرابتها، فيرفع يديه إلى السماء تحملان معهما دعوة مظلوم لم يجد من ينصف له في الأرض.

وقد يكون الظلم بين الجيران، فيظلم جارٌ قويٌ قادر جارًا ضعيفًا عاجزًا، أو يكذب عليه حتى يأخذ حقه، ويستولي عليه ظلمًا وعدوانًا، ولا مغيث لذلك الجار يرد له حقه، إلا دعوة مظلوم يرسلها إلى عَنان السماء إلى الحكم العدل سبحانه وتعالى، جاء في الصحيحين عن محمد بن عبد الله بن عمر أن أباه حدثه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: أن أروى خاصمته في بعض داره فقال: دعوها وإياها؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقه طوقه في سبع أرضين يوم القيامة) ، اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها، قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها).

أيها المسلمون، وقد يكون الظلم بين الأقارب، فرُبَّ قريبٍ يظلم أخاه، أو أخته، أو عمه، أو عمته، أو خالته، أو أولادهم، وليس للمظلوم قدرة على الانتصار، وأخذ الحق من الظالم، فتخرج عند ذلك من القلب المكلوم دعوة مظلوم، ترتفع إلى من لا يظلم عنده أحد.

إن رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يسلم من ظلم أقاربه، فقد أخرج الحاكم في مستدركه-بسند صحيح- عن أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه قال: كان لهب بن أبي لهب يسب النبي صلى الله عليه وسلم: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم سلط عليه كلبك) ، فخرج في قافلة يريد الشام، فنزل منزلًا فقال: إني أخاف دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا له: كلّا، فحطوا متاعهم حوله، وقعدوا يحرسونه، فجاء الأسد فانتزعه فذهب به [2] .

(1) رواه البخاري في"الأدب المفرد"وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، وأحمد، وهو صحيح.

(2) أسد الغابة (ص: 1013) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت