وقد يكون الظلم بين الراعي والراعية، فقد يوجد راعٍ يحكم رعيته بالجور والعسف، وسلب الحقوق، وكثرة الإضرار بهم، ورعيةٍ يظلمون راعيهم بعدم السمع والطاعة في المعروف، أو بالطعن فيه، وإحداث الأعمال المحظورة التي تؤذيه، فعند ذلك تصعد دعوة مظلوم إلى السماء تستنزل العقوبة على الظالم راعيًا كان أو مرعيًا. ففي محنة خلق القرآن التي ابتلى بها المأمون العباسي الناسَ وثبت فيها بعض العلماء، كان على رأسهم: الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح رحمهما الله، ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أنهما حُملا على بعير وسيرَ بهما إلى الخليفة عن أمره بذلك، وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعير واحد ... فلما اقترابا من جيش الخليفة ونزلوا بمرحلة جاء خادم -وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه- ويقول: يعز عليّ -أبا عبدالله- أن المأمون قد سلّ سيفًا لم يسله قبل ذلك، وإنه يقسم بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف، قال: فجثا الإمام أحمد على ركبتيه، ورمق بطرفه إلى السماء، وقال: سيدي، غرَّ حلمُك هذا الفاجرَ حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن لم يكن القرآن كلامُك غيرَ مخلوق فاكفنا مؤنته، قال: فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل، قال: أحمد ففرحنا [1] .
وعن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر رضي الله عنه، فعزله واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي؟ قال أبو إسحاق: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرم عنها: أصلي صلاة العشاء فأركد في الأولين، وأخف في الأخريين، قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلًا أو رجالًا إلى الكوفة فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدًا إلا سأل عنه، ويثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس فقام رجل منهم يقال له: أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة قال: أما إذ نشدتنا فإن سعدًا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن، وكان بعد إذا سُئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعدُ قد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن) [2] .
أيها الإخوة الأفاضل، نقول لكل مظلوم: أبشر، ولكن اشكُ مظلمتك إلى الله تعالى وحده، ولا تعرض مصيبتك من ظالمك على من لا يقدر على نصرك، أما من يعين على استرجاع الحق ودفع الظلم فلا بأس.
وعليك أن تدعو مخلصًا متضرعًا، مستمرًا بلا استعجال؛ فقد يكون تأخير العقوبة على من ظلمك وظلم غيرك خيرًا للمظلوم، وشرًا على الظالم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، قال تعالى: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران:178] .
وعليك أن لا تعتدي في الدعاء على من ظلمك، فلتكن دعوتك على قدر مظلمتك.
وعليك أن لا تظلم أحدًا؛ لكي تنال نصر الله لك، فهو نعم المولى، ونعم النصير لمن لم يكن من الظالمين.
(1) البداية والنهاية (10/ 332) .
(2) رواه البخاري.