فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 309

لقد كان من خبر هذا الرجل (سبأ) أنه كان من نسل قحطان، وكان امرأً مسلمًا، وقد أرسل الله إلى قومه أنبياء فاهتدوا فأنعم الله عليهم بنعم كثيرة، فطاب هواؤهم، وطابت أرضهم، ودرَّ رزقهم، وحسن حالهم في حلهم وترحالهم [1] .

فاستمروا على هذه النعم إلى أن كفروا وجحدوا، وأعرضوا عن الهدى، فأبدلهم الله تعالى بعد تلك النعم: جوعًا ونقمًا، وخوفًا وتفرقًا شذر مذر في الجزيرة العربية، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} [سبأ:15 - 17] .

عباد الله، لقد بقي قوم سبأ على الكفر حتى صاروا يعبدون الشمس من دون الله إلى زمن ملكتهم بلقيس، وكان ذلك في عهد نبي الله سليمان عليه السلام ومُلْكِه، الذي كان مستقرًا في الشام، وقد أنعم الله تعالى عليه بالنبوة والملك وتسخير الجن له، ومعرفته لغة المخلوقات كالطير.

وفي يوم من الأيام خرج سليمان عليه السلام بجنده في مسير له فتفقد الطير، وكان من بينها هدد متميز فيها، لكنه لم يجده بين الحاضرين، فتوعّده بالعذاب أو الذبح؛ لكونه غاب من غير إذنه، إلا أن يأتي بعذر يقضي بعدم استحقاقه العقوبة، قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [ {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [النمل:16 - 21] .

أيها المسلمون، من خلال الآيات السابقة يستفاد: أن الواجب على الإنسان -إذا أنعم الله تعالى عليه بنعمة- أن يعترف لربه بها، ويشكره عليها، ويستعملها فيما يرضي مُعطيْها، وأن يتواضع بها بين عباد الله، وأن لا يتكبر بها عليهم، وأن على ولي الأمر أن يتفقد شؤون رعيته، ويسأل عن أحوالهم، وأن يكون حازمًا صارمًا في الحق، وأن يكون جنوده مسخَّرين في إصلاح أحوال الرعية: توفيرًا للأمن والحاجات، وحماية من الخوف والمهلكات.

(1) البداية والنهاية، لابن كثير (2/ 158) ، تفسير السراج المنير، للشربيني (3/ 243) ، اللباب في علوم الكتاب، لابن عادل (16/ 39) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت