فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 309

أيها الأحبة الفضلاء، لقد انطلق هدهد سليمان من أرض الشام إلى أرض مأرب من اليمن في مهمة عظيمة، وغاية جسيمة، قطع تلك المسافة البعيدة داعيًا إلى الله عز وجل، فوجد في أرض سبأ ما يغضب الله تعالى من الشرك والمشركين؛ إذ كانوا يعبدون الشمس من دون الله، وكان عليهم امرأة قد أُوتيت من زينة الدنيا في ملكها من كل شيء يؤتاه ملوك عصرها، ومن ذلك: كرسي عظيم تجلس عليه في مملكتها. ثم رجع الهدهد إلى سليمان بهذا الخبر الأكيد الذي رآه عيانًا، قال تعالى: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} [ {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل:26 [النمل:22 - 26] .

أيها الإخوة الأكارم، في هذا المقطع الجميل الذي تحدث عن هذه المهمة الدعوية التي قام بها الهدهد الذي خلّد الله تعالى ذكره بها في القرآن الكريم بسبب هذا العمل العظيم؛ نستفيد: أن على الرسول إذا كان في مهمة أن ينجزها ويعود سريعًا بلا تأخر، وأن الإنسان مهما بلغ علمه فقد يفوته شيء كثير من العلم قد يستفيده ممن هو أقل منه شأنًا وعلمًا، وأن على ناقل الأخبار أن يتثبت فيها، فلا ينقلها إلى الناس إلا بعد يقين من صحتها، وأن الباطل يكون عند أصحابه حسنًا محبوبًا؛ بسبب تزيين الشيطان له، وأن من أدلة استحقاق الله للعبودية بلا شريك: علمه الغيب، ورزقه الخلق.

أيها المسلمون، إن نبي الله سليمان عليه السلام لما رجع إليه الهدهد بهذا الخبر العظيم-وكان قد توعد الهدهد بالعقوبة، إلا أن يكون له عذر مقبول؛ اهتم للأمر، ولكنه لم يلاقه بالقبول ابتداء حتى يتأكد من صدقه، فأرسل الهدهد برسالة إلى ملكة سبأ يدعوها إلى الله تعالى وتركِ الشرك- الذي تدين به مع قومها- والدخول تحت سلطانه القائم على الإسلام والحق والعدل، وأمر الهدهد أن يلقي إليهم الرسالة، وينتظر جوابهم عليها، فوصل الكتاب إلى بلقيس- وكانت امرأة عاقلة حكيمة حازمة ذكية- فجمعت مستشاريها من كبار قومها، وأخبرتهم أنه وصلتها رسالة حسنة جاءتها من سليمان، وقد افتتحت هذه الرسالة بالبسملة، ومضمونها أمران: قبول دعوة الإسلام، والدخول تحت سلطان سليمان الذي قام على النبوة، وكان من فطنة هذه الملكة العاقلة: أنها لم تستأثر بالأمر دون أشراف قومها، بل عرضت القضية عليهم؛ إذ كان من عادتها: أن لا تقدم على أمر جلل إلا بمشورتهم، فرد عليها أشراف قومها بخيار الحرب وأنهم أهلها؛ لقوتهم وشجاعتهم، لكنهم جعلوا الأمر إليها لتختار هذا الرأي أو غيره؛ لثقتهم بحصافتها وحسن تدبيرها، فكان من جودة رأي هذه المرأة الفطنة: أن فكرت في الموضوع مليًا، فنظرت في الماضي، واستشرفت المستقبل، فاختارت خيار السلم؛ حرصًا على الخير لقومها، وإبعاد الذل عنهم؛ لكونها تعلم أن الملوك الجائرين إذا دخلوا بلدة عنوة وقهرًا خربوها، وصيروا أعزة أهلها أذلاء، وقتلوا وأسروا، وهذه هي عادتهم المستمرة، لكنها-رحمها الله- رأت أن ترسل هدية نفيسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت