فيها أشياء عجيبة من نفائس الدنيا؛ لتختبر سليمان ومن معه؛ لتتخذ بعد ذلك القرار الأخير، فإن كان ملكًا يريد الدنيا فسيقبل الهدية ويفرح بها، وإن كان نبيًا فسيردها؛ لأن الدنيا ليست غايته، وإنما غايته دخولها وقومها في الإسلام، فكان هذا الفعل من ذكائها وحكمتها، قال تعالى: {قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} {اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} {قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل:27 - 35] .
أيها الأحباب، من هذه الآيات الكريمة يفيد المسلم: أن الأخبار التي ينقلها الناس لا تقبل بالتصديق إلا بعد تبين صحتها ومعرفة صدقها، وأن من وسائل الدعوة إلى الله تعالى: الدعوة عبر المراسلة، كما فعل رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام في رسائله إلى الملوك والزعماء، وفيها بيان رجاحة عقل هذه الملكة وحسنِ تدبيرها إدارةَ مملكتها، واستحباب اتخاذ مستشارين والعمل بمشورتهم، واستفتاح الرسائل بالبسملة؛ تبركًا بذكر الله تعالى، وأنها سنة قديمة، وجاءت الشريعة المحمدية بإقرارها، وفي الآيات: أن الملك إذا لم يكن له مانع من دين حق أو خلق كريم يكون راتعًا في الفساد وظالمًا للعباد، وأن الرجال يُعرفون في بالامتحان والتمحيص.
أيها المسلمون، أرسلت بلقيس هديتها النفيسة إلى سليمان عليه السلام، فلما وصل الرسول الذي يحمل الهدية سلمها إليه فاستنكر سليمان هذا الفعل!؛ لأنه لم يراسلها طلبًا للدنيا، وإنما لتسلم لله رب العالمين، فقال للرسول ومن معه: هل تهدونني هذه الهدية لأكف عن دعوتي إياكم إلى الحق كما يحصل لأرباب الملك في الدنيا؟! ليس الأمر كذلك، فإن ما أعطاني الله من النبوة والملك والجنود خير مما آتاكم، وإنما يفرح بهذا المال ونحوه من زينة الدنيا أنتم وأمثالكم من أهل المفاخرة والمكاثرة، فرد الهدية إلى بلقيس مع الرسول، وتوعدهم قائلًا للرسول: ارجع إلى قومك الذين أبوا الاستجابة للحق وترك الشرك فوالله لنغزونهم بجنود لا يقدرون على ردهم وهزيمتهم، ولنخرجنهم من أرضهم صاغرين أذلاء حتى يؤمنوا بالله وحده، ثم كأن الله تعالى أوحى إلى سليمان عليه السلام أنهم سيأتون إليه مسلمين، فأراد أن يريهم ما أعطاه الله من الملك والقوة والقدرة حتى يتركوا التكبر بما عندهم من الدنيا ومنها عرش الملكة العظيم فيكون ذلك سببًا لانقيادهم للحق.
فجمع سليمان عليه السلام أشراف أهل مملكته من الإنس والجن وقال لهم: من يأتيني بعرش هذه الملكة من بلادها إلى هنا قبل أن تصل إلينا؛ ليكون ذلك أدعى لها ولمن معها لقبول الحق؟، فقال مارد شديد من الجن: آنا آتيك به؛ فإني ذو