فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 309

قوة تجعلني أوصله إليك قبل أن تقوم من مجلسك الذي تجلس عليه للحكم بين الناس، وإني ذو أمانة تجعلني أوصله- كما هو- من غير أن ينقص شيء من جواهره وما فيه.

وكان في الحاضرين رجل آخر عنده معرفة وعلم بكتاب الله، فقدم هو كذلك عرضًا أقرب سرعة من عرض المارد من الجن، فقال: آنا آتيك به قبل ارتداد أجفانك إلى النظر إلى شيء ما، وهذا غاية في السرعة، فوافق سليمان عليه السلام على هذا العرض، فدعا اللهَ ذلك العالم فاستجاب الله له، فإذا بالعرش بين يدي سليمان كما هو، فلما رأى نبي الله سليمان العرش بين يديه كما هو بهذه السرعة والقدرة؛ تواضع لله تعالى وشكره واعترف لله بمنَّه عليه حيث سخر له من خلقه من يخدمه هذه الخدمة العظيمة، وجعل ذلك التسخيرَ العظيم لاختباره: هل يشكر الله تعالى على هذه النعمة أو لا، ومن يتركْ الشكر فإنه لا يضر إلا نفسه؛ لأن الله غني عن شكر الشاكرين، قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [ {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} {قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} {قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل:36 - 40] .

عباد الله، في الآيات السابقة عظات وعبر، منها: أن على صاحب الحق أن يمضي في طريقه، ولا ترده عن وجهته إغراءات الدنيا مهما عظمت؛ لأن أصحاب الباطل إذا رأوا دعوته ذات اثر خافوا على شهواتهم أن تُطمر أمام سيله الهادر فقاموا بأساليب عدة لكبح جماح دعوته، ومنها: أن الهدايا التي يراد بها شراء المواقف لصالح الباطل، والسكوتُ عن الحق وترك نصرته ينبغي أن ترد ولا تقبل، وأن على القائد المسلم أن يردع أعداء الإسلام بإظهار قوة المسلمين؛ حتى يكفوا شرهم عن المسلمين، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال:60] ، وفي الآيات: بيان أهمية القوة العسكرية، والقوة الاقتصادية، والقوة العلمية في حماية الحق ونشره، وأن على ولي أمر المسلمين أن يكون له مستشارون ذوو كفاية في عقولهم وعلومهم وقواتهم، يستشيرهم في أمور حُكمه، وفي الآيات: مشروعية مكاثرة أهل الباطل ومفاخرتهم بما عند أهل الحق من أسباب القوة التي يفخر بأمثالها أهل الباطل؛ لأن ذلك سيجعلهم يذعنون لقوة الحق، فالغرب اليوم والكفار عمومًا في رأس هرم التطور العلمي والتقني والتكنولوجي والعسكري وغيرها من مجالات الحياة المتقدمة، وهم في تلك الآفاق الدنيوية العالية ينظرون إلى المسلمين نظرة دونية مزدرية؛ ولعل ذلك صد بعض الكفار عن الإسلام، فلو اعتنى المسلمون بهذه الجوانب، ونافسوا الكفار فيها لأدى ذلك إلى تخفيف كِبرهم واحتقارهم للمسلمين، وفي الآيات الكريمة: عظم ما عند بعض الجن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت