فجاء نبينا محمد صلى الله عليه وآله سلم من عند الله تعالى بالقرآن العظيم نورًا يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم.
ولما كان نبينا-عليه الصلاة والسلام- هو المبلغَ عن الله تعالى رسالته فقد عصمه الله تعالى من ضلال القول والعمل؛ فكان أسوة لأمته في أقواله، وأعماله، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21] .
عباد الله، لقد هيأ الله تعالى لسنة رسوله عليه الصلاة والسلام رجالًا صادقين، وصلحاء موثوقين، وحفاظًا مأمونين، نقلوا إليها أقوال نبيه صلى الله عليه وسلم، وأفعاله غضة طرية، مصونةً عن الزيادة والنقصان، والاختلاق والبهتان؛ لتكون تشريعًا مع القرآن الكريم لمن جاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة؛ ليقول المسلم المتأخر كما قال رسول الله، ويفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولما كان الأمر كذلك أمر اللهُ تعالى باتباع رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، والانكفاف عما نهى عنه وزجر، وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع.
وفي كتاب الله تعالى آيات كثيرة تأمر بهذا، فمنها قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر:7] .
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:31] . وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59] .
أيها المسلمون، إن الله تعالى قد جعل سنة رسوله عليه الصلاة والسلام مع القرآن الكريم مصدرًا للتشريع، فهي شارحة للقرآن، ومفصلة لمجمله، ومبينة لمبهمه، ودالة على مقاصده، وآتية بأحكام أخرى لم تكن فيه نصًا؛ لأنها وحي من عند الله تعالى كذلك، قال عز وجل: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:4] [النجم:3 - 4] .
وعن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه) [1] .
(1) رواه أحمد وأبو داود، وهو صحيح.