فهرس الكتاب
وَعَنْ سَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ: مَنْ أَرَادَ النَّظَرَ إلَى مَجَالِسِ الْأَنْبِيَاءِ فَلْيَنْظُرْ إلَى مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ فَاعْرِفُوا لَهُمْ ذَلِكَ.
فَهَذِهِ أَحْرُفٌ مِنْ أَطْرَافِ مَا جَاءَ فِي تَرْجِيحِ الِاشْتِغَالِ (بِالْعِلْمِ) عَلَى الْعِبَادَةِ، وَجَاءَ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ السَّلَفِ مِمَّنْ لَمْ أَذْكُرْهُ نَحْوُ مَا ذَكَرْتُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالَاتِ بِنَوَافِلِ الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ نَوَافِلِ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ، وَمِنْ دَلَائِلِهِ سِوَى مَا سَبَقَ أَنَّ نَفْعَ الْعِلْمِ يَعُمُّ صَاحِبَهُ، وَالْمُسْلِمِينَ، وَالنَّوَافِلُ الْمَذْكُورَةُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ مُصَحِّحٌ فَغَيْرُهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ، وَلَا يَنْعَكِسُ، وَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا يُوصَفُ الْمُتَعَبِّدُونَ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْعَابِدَ تَابِعٌ لِلْعَالِمِ مُقْتَدٍ بِهِ مُقَلِّدٌ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ وَغَيْرِهَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ طَاعَتُهُ، وَلَا يَنْعَكِسُ ; وَلِأَنَّ الْعِلْمَ تَبْقَى فَائِدَتُهُ وَأَثَرُهُ بَعْدَ صَاحِبِهِ، وَالنَّوَافِلُ تَنْقَطِعُ بِمَوْتِ صَاحِبِهَا ; وَلِأَنَّ الْعِلْمَ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ; وَلِأَنَّ الْعِلْمَ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَعْنِي الْعِلْمَ الَّذِي كَلَامُنَا فِيهِ، فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ النَّافِلَةِ، وَقَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْغِيَاثِيِّ: فَرْضُ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّ فَاعِلَهُ يَسُدُّ مَسَدَّ الْأُمَّةِ، وَيُسْقِطُ الْحَرَجَ عَنْ الْأُمَّةِ، وَفَرْضُ الْعَيْنِ قَاصِرٌ عَلَيْهِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَصْلٌ.
فِيمَا أَنْشَدُوهُ فِي فَضْلِ طَلَبِ الْعِلْمِ وَهَذَا وَاسِعٌ جِدًّا، وَلَكِنْ مِنْ عُيُونِهِ مَا جَاءَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ ظَالِمِ بْنِ عَمْرٍو التَّابِعِيِّ: رَحِمَهُ اللَّهُ