وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ذَكَرَ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ آثَارِ تِلْكَ السَّلَامَةِ أَنْ دَعَا أَبَاهُ وَقَوْمَهُ إِلَى التَّوْحِيدِ فَقَالَ: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ) وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ تَهْجِينُ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ وَتَقْبِيحُهَا.
ثُمَّ قَالَ: (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: أَئِفْكًا مَفْعُولٌ لَهُ تَقْدِيرُهُ أَتُرِيدُونَ آلِهَةً مِنْ دُونِهِ إِفْكًا، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمَفْعُولَ عَلَى الْفِعْلِ لِلْعِنَايَةِ وَقَدَّمَ الْمَفْعُولَ لَهُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ الْأَهَمُّ عِنْدَهُ أَنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهُمْ بِأَنَّهُمْ عَلَى إِفْكٍ وَبَاطِلٍ فِي شِرْكِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِفْكًا مَفْعُولًا بِهِ يَعْنِي أَتُرِيدُونَ إِفْكًا، ثُمَّ فَسَّرَ الْإِفْكَ بِقَوْلِهِ: (آلِهَةً دُونَ اللَّهِ) عَلَى أَنَّهَا إِفْكٌ فِي أَنْفُسِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا بِمَعْنَى تُرِيدُونَ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ آفِكِينَ.
ثُمَّ قَالَ: (فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَتَظُنُّونَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الْجَمَادَاتِ مُشَارِكَةً لَهُ فِي الْمَعْبُودِيَّةِ.
وَثَانِيهَا: أَتَظُنُّونَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الْأَجْسَامِ حَتَّى جَعَلْتُمُوهَا مُسَاوِيَةً لَهُ فِي الْمَعْبُودِيَّةِ فَنَبَّهَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.