وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا إِرْشَادُ الْعَاجِزِ عَنْ مُؤَنِ النِّكَاحِ إِلَى الصَّوْمِ، لِأَنَّ شَهْوَةَ النِّكَاحِ تَابِعَةٌ لِشَهْوَةِ الْأَكْلِ تَقْوَى بِقُوَّتِهِ وَتَضْعُفُ بِضَعْفِهِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَازِ الْمُعَالَجَةِ لِقَطْعِ شَهْوَةِ النِّكَاحِ بِالْأَدْوِيَةِ، وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ فِي"شَرْحِ السُّنَّةِ"، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى دَوَاءٍ يُسَكِّنُ الشَّهْوَةَ دُونَ مَا يَقْطَعُهَا أَصَالَةً لِأَنَّهُ قَدْ يَقْدِرُ بَعْدُ فَيَنْدَمُ لِفَوَاتِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَا يَكْسِرُهَا بِالْكَافُورِ وَنَحْوِهِ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِ الْجَبِّ وَالْخِصَاءِ فَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ التَّدَاوِي بِالْقَطْعِ أَصْلًا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النِّكَاحِ الْوَطْءُ وَلِهَذَا شُرِعَ الْخِيَارُ فِي الْعُنَّةِ. وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى غَضِّ الْبَصَرِ وَتَحْصِينِ الْفَرْجِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ وَعَدَمِ التَّكْلِيفِ بِغَيْرِ الْمُسْتَطَاعِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ حُظُوظَ النُّفُوسِ وَالشَّهَوَاتِ لَا تَتَقَدَّمُ عَلَى أَحْكَامِ الشَّرْعِ بَلْ هِيَ دَائِرَةٌ مَعَهَا.
وَاسْتَنْبَطَ الْقَرَافِيُّ مِنْ قَوْلِهِ"فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ"أَنَّ التَّشْرِيكَ فِي الْعِبَادَةِ لَا يَقْدَحُ فِيهَا بِخِلَافِ الرِّيَاءِ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالصَّوْمِ الَّذِي هُوَ قُرْبَةٌ وَهُوَ بِهَذَا الْقَصْدِ صَحِيحٌ مُثَابٌ عَلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَرْشَدَ إِلَيْهِ لِتَحْصِيلِ غَضِّ الْبَصَرِ وَكَفِّ الْفَرْجِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ اهـ. فَإِنْ أَرَادَ تَشْرِيكَ عِبَادَةٍ بِعِبَادَةٍ أُخْرَى فَهُوَ كَذَلِكَ وَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ. وَإِنْ أَرَادَ تَشْرِيكَ الْعِبَادَةِ بِأَمْرٍ مُبَاحٍ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُسَاعِدُهُ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءِ لِأَنَّهُ أَرْشَدُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ التَّزْوِيجِ إِلَى الصَّوْمِ الَّذِي يَقْطَعُ الشَّهْوَةَ، فَلَوْ كَانَ الِاسْتِمْنَاءُ مُبَاحًا لَكَانَ الْإِرْشَادُ إِلَيْهِ أَسْهَلَ. وَتُعُقِّبَ دَعْوَى كَوْنِهِ أَسْهَلَ لِأَنَّ التَّرْكَ أَسْهَلُ مِنَ الْفِعْلِ. وَقَدْ أَبَاحَ الِاسْتِمْنَاءَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ لِأَجْلِ تَسْكِينِ الشَّهْوَةِ، وَفِي قَوْلِ عُثْمَانَ لِابْنِ مَسْعُودٍ"أَلَا نُزَوِّجُكَ"