لا ينبغي لأحد أن يقيم الحدود إلا بإذن السلطان، فإن لم يكن سلطان يحكم بالشرع فلا يجوز لعامة الناس أن تقيم الحدود، ومن فعل ذلك أثم، لإن إقامة الحد يحتاج في إثباته وإقامته إلى اجتهاد وعلم شرعي حتى يُعلم متى يثبت ومتى ينتفى وما هي شروطه ... إلخ
وعامة الناس لا يعلمون ذلك، ولأن إقامة العامة للحدود يترتب عليها مفاسد عظسمة وإخلال بالأمن، فيعتدي الناس بعضهم على بعض قتلًا وتقطيعًا بحجة إقامة الحدود.
قال القرطبي:
"لَا خِلَافَ أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْقَتْلِ لَا يُقِيمُهُ إِلَّا أُولُوا الْأَمْرِ، فُرِضَ عَلَيْهِمُ النُّهُوضُ بِالْقِصَاصِ وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَغَيْرُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَاطَبَ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقِصَاصِ، ثُمَّ لَا يَتَهَيَّأُ لِلْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى الْقِصَاصِ، فَأَقَامُوا السُّلْطَانَ مَقَامَ أَنْفُسِهِمْ فِي إِقَامَةِ الْقِصَاصِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْحُدُودِ، وَلَيْسَ الْقِصَاصُ بِلَازِمٍ إِنَّمَا اللَّازِمُ أَلَّا يُتَجَاوَزَ الْقِصَاصُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُدُودِ إِلَى الِاعْتِدَاءِ، فَأَمَّا إِذَا وَقَعَ الرِّضَا بِدُونِ الْقِصَاصِ مِنْ دِيَةٍ أَوْ عَفْوٍ فَذَلِكَ مُبَاحٌ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ." [1] .
(1) تفسير القرطبي"الجزء الثاني الصفحة رقم 245 - الصفحة رقم 246"