ذَلِكَ الْحَائِطِ كَانَ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ ذَلِكَ الْقَرْنِ، وَطُولُهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهُ خَمْسُونَ ذِرَاعًا، فَأَقَامَهُ الْخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَيْ سَوَّاهُ بِيَدِهِ فَاسْتَقَامَ ; قَالَهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي كِتَابِ الْعَرَائِسِ: فَقَالَ مُوسَى لِلْخَضِرِ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا أَيْ طَعَامًا تَأْكُلُهُ ; فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَكَذَلِكَ مَا وُصِفَ مِنْ أَحْوَالِ الْخَضِرِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي هَذَا الْبَابِ كُلُّهَا أُمُورٌ خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ ; هَذَا إِذَا تَنَزَّلْنَا عَلَى أَنَّهُ وَلِيٌّ لَا نَبِيٌّ.
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي يَدُلُّ عَلَيَّ نُبُوَّتِهِ وَأَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ بِالتَّكْلِيفِ وَالْأَحْكَامِ، كَمَا أُوحِيَ لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ ; وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّامِنَةُ: وَاجِبٌ عَلَى الْإِنْسَانِ أَلَّا يَتَعَرَّضَ لِلْجُلُوسِ تَحْتَ جِدَارٍ مَائِلٍ يَخَافُ سُقُوطَهُ، بَلْ يُسْرِعُ فِي الْمَشْيِ إِذَا كَانَ مَارًّا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ بِطِرْبَالٍ مَائِلٍ فَلْيُسْرِعِ الْمَشْيَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ: الطِّرْبَالُ شَبِيهٌ بِالْمَنْظَرَةِ مِنْ مَنَاظِرِ الْعَجَمِ كَهَيْئَةِ الصَّوْمَعَةِ ; وَالْبِنَاءِ الْمُرْتَفِعِ ; قَالَ جَرِيرٌ:
أَلْوَى بِهَا شَذْبُ الْعُرُوقِ مُشَذَّبٌ ... فَكَأَنَّمَا وَكَنَتْ عَلَى طِرْبَالِ