فهرس الكتاب

الصفحة 734 من 1309

الْعَاشِرَةُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ الْوَلِيُّ أَنَّهُ وَلِيٌّ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: [أَحَدُهُمَا] أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ; وَأَنَّ مَا يَظْهَرُ عَلَى يَدَيْهِ يَجِبُ أَنْ يُلَاحِظَهُ بِعَيْنِ خَوْفِ الْمَكْرِ، لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ مَكْرًا وَاسْتِدْرَاجًا لَهُ ; وَقَدْ حُكِيَ عَنِ السَّرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ بُسْتَانًا فَكَلَّمَهُ مِنْ رَأْسِ كُلِّ شَجَرَةٍ طَيْرٌ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَلِيَّ اللَّهِ فَلَوْ لَمْ يَخَفْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَكْرًا لَكَانَ مَمْكُورًا بِهِ ; وَلِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ وَلِيٌّ لَزَالَ عَنْهُ الْخَوْفُ، وَحَصَلَ لَهُ الْأَمْنُ. وَمِنْ شَرْطِ الْوَلِيِّ أَنْ يَسْتَدِيمَ الْخَوْفُ إِلَى أَنْ تَتَنَزَّلَ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ، كَمَا قَالَ - عَزَّ وَجَلَّ: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَلِأَنَّ الْوَلِيَّ مَنْ كَانَ مَخْتُومًا لَهُ بِالسَّعَادَةِ، وَالْعَوَاقِبُ مَسْتُورَةٌ وَلَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا يُخْتَمُ لَهُ بِهِ ; وَلِهَذَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ. [الْقَوْلُ الثَّانِي] أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ وَلِيٌّ ; أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ وَلِيٌّ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ وَلِيُّ اللَّهِ - تَعَالَى -، فَجَازَ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ حَالِ الْعَشَرَةِ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ زَوَالُ خَوْفِهِمْ، بَلْ كَانُوا أَكْثَرَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -، وَأَشَدَّ خَوْفًا وَهَيْبَةً ; فَإِذَا جَازَ لِلْعَشَرَةِ ذَلِكَ وَلَمْ يُخْرِجْهُمْ عَنِ الْخَوْفِ فَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ. وَكَانَ الشِّبْلِيُّ يَقُولُ: أَنَا أَمَانُ هَذَا الْجَانِبِ ; فَلَمَّا مَاتَ وَدُفِنَ عَبَرَ الدَّيْلَمُ دِجْلَةَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى بَغْدَادَ، وَيَقُولُ النَّاسُ: مُصِيبَتَانِ مَوْتُ الشِّبْلِيِّ وَعُبُورُ الدَّيْلَمِ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجًا لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أَلَّا يَعْرِفَ النَّبِيُّ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَوَلِيُّ اللَّهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجًا، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالُ الْمُعْجِزَاتِ لَمْ يَجُزْ هَذَا، لِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالُ الْكَرَامَاتِ. وَمَا رُوِيَ مِنْ ظُهُورِ الْكَرَامَاتِ عَلَى يَدَيْ بَلْعَامَ وَانْسِلَاخِهِ عَنِ الدِّينِ بَعْدَهَا لِقَوْلِهِ: فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ كَانَ وَلِيًّا ثُمَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت