ثم غلبني ما أعلم منه فعُدْتُ لمَقالَتِي، وعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم قال: يا سعد! إني لأعطي الرجل وغيرُه أحبُّ إليّ منه؛ خشيةَ أن يكُبَّه الله في النار» [1] .
ففي هذا الحديث استدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - على سعد - رضي الله عنه - استدراكين: استدراك على لفظه، واستدراك على فهمه.
أما الاستدراك على لفظه فهو في التعبير عن رأيه في الرجل بلفظ الإيمان عندما قال: «فوالله إني لأراه مؤمنًا» ، فاستدرك عليه الجزمَ بهذا اللفظ - وهو الوصف بالإيمان - فقال: «أوْ مُسلِمًا» . قال في (هدي الساري) في معنى (أوْ) هنا: «هو بسكون الواو على معنى الإضراب، ويجوز أن يكون بمعنى التردد أي لا تقطع بأحدهما» [2] . وفائدة هذا الاستدراك التفريق بين إطلاق اللفظين، بالتنبيه على الخطأ في إطلاق اللفظ الأول في هذا المقام. قال النووي: « ... معناه النهى عن القطع بالإيمان، وأن لفظة الإسلام أولى به، فإن الإسلام معلوم بحكم الظاهر، وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله تعالى» [3] .
وأما الاستدراك على فهمه فهو فيما ظنه من أن العطاء دليل محبة وتفضيل، فاستدرك عليه هذا الفهم بقوله: «يا سعد! إني لأعطي الرجل وغيرُه أحبُّ إليّ منه؛ خشيةَ أن يكُبَّه الله في النار» . قال في (فتح الباري) : «ومحصل القصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوسع العطاء
(1) (1/ 14) ، ك الإيمان، ب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله تعالى {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله جل ذكره {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] ، رقم (27) .
(2) هدي الساري مقدمة فتح الباري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، (87) .
(3) صحيح مسلم بشرح النووي، (2/ 181) .