الحمد لله الذي علّمنا من بعد جهالتِنا، وهدانا من بعد ضلالتِنا، وأنزل علينا الحُجة، وبصّرنا بمسالِك المحجة، وصلى الله على نبينا وسلم أبدًا، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى، وبعد:
فلئن كان النقص في الطبيعة البشرية موضعًا لتعليل الأخطاء والمشكلات والنتائج غير المرغوب فيها غالبًا، فإننا هنا نراه سببًا ثرًّا لنماء الفقه تأليفًا وتدقيقًا، وحاديًا قويًّا للتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه.
وتدارك الأعمال السابقة بتعقيبات أو تنبيهات أو ردود أو تصويبات أو زيادات ... هو مما يُكمِّل النفع بها، ويزيد الناظر فقهًا، ويحل معضلة كانت قد استعصت عليه، وهو مجال واسع للتدبر وإعمال الفكر في العلم.
والاستدراكات على الأعمال مظهر إيجابي في التراث الإسلامي عموما، وفي التراث الفقهي منه خصوصا، وهي دليل على الحركة المعرفية المستمرة، وعلى تواصل الأجيال في تدارس العلم والبحث فيه، وهي سبيل يحصل بها الباحث على ذخيرة ذخرها الله تعالى له من العلم والفهم والتدقيق عند النظر في تلك المصادِر، ويقول: كم ترك الأولُ للآخِر؟ !
وقد دعا العلماءُ الناظرين إلى مصنفاتهم أن يستدركوا ما فيها من خلل، من ذلك قول صاحب (مرتقى الوصول) :
وما بها من خطأٍ ومن خللْ ... أذنتُ في إصلاحه لمن فعلْ
لكن بشرط العلم والإنصافِ ... فذا وذا من أجمل الأوصاف [1]
لهذه الأهمية وقع اختياري لبحث منهج الاستدراك في علم الفقه؛ التماسًا لتأصيل قواعدِه، على ضوء من تصرفات الفقهاء في تطبيقاته وشواهدِه، وسمّيتُه: (الاستدراك الفقهي - تأصيلًا وتطبيقًا) .
(1) مرتقى الوصول إلى علم الأصول، محمد بن محمد عاصم الأندلسي، (24) .