معاوية رضي الله عنهما، فقال له: صف لي علية. قال ضرار: أو تعفيني يا أمير المؤمنين قال: لا أعفيك. قال: إذا لا بد فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، تنطلق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته. كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما شب. كان والله كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا، وقربه منا، لا نكلمه هيبة له، فإن تبتم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، ويعظم أهل الدين، ويحب المساکين، لا يطمع القوى في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله. فأشهد له، رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه، يقف في محرابه قابضة على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين فكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا .. يا ربنا! - يتضرع إليه. ثم يقول: يا دنيا! إلى تغررت!! .. إلي تعرضت! إلي تشوقت!؟! .. هيهات ... هيهات .. غ?ي غيري، لقد بتتك ثلاثا، فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك يسير! آه ... آه ... من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق ... !.
قال: فوکفت دموع معاوية رضي الله عنه على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال معاوية رضي الله عنه: كذا كان أبو حسن رحمه الله؟ كيف وجدك عليه يا ضرار؟ قال وجد من ذبح ولدها في حجرها، لا ترقة دمعتها، ولا يسكن حزنها. ثم قام ضرار فخرج من المجلس.