فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 40

يقول الدكتور محمود أحمد الصغير:"ولم يكن عيسى بن عمر أقلَّ من أبي عمرو جُرأةً في ردِّ هذه القراءات إذا لم تُوافِق مقياسه، فقد كان لعيسى منهج واضح أيضًا في النظر إلى لغات العرب" [1] .

ويقول الدكتور محمود أيضًا:"وقد اعتقد الدكتور عبد الفتاح شلبي - في كتابه (رسم المصحف والاحتجاج به في القراءات) - أن عيسى كان يَرتجل هذه الوجوه، ويقرأ بما يُوافق مذهبه النحوي من دون أثرٍ كما فعل ابن مِقْسَم العطار ت 354 هـ، وذلك استنكره الناس عليه، والصحيح أنه كان يختار من المأثور ما يوافق مذهبه، ولعله وجد الفعل أقوى العوامل، فآثَر تقديره على غيره، فاختار مثلًا: (والسارقَ والسارقةَ فاقطعوا أيديهما) بالنصب، وله في أستاذه ابن مُحيصن السهمي قدوة وسبقٌ، فهذا أيضًا كان له اختيار مماثل، رغب عنه الناس .... واختيار عيسى بعد هذا شذوذ اختيار، لا اختيار شذوذ؛ لأنه كان يقرأ بكثير من الوجوه التي كان عليها الأئمة المشهورون، أما استنكار الناس لاختياره، فيعود إلى خروجه على إجماعهم، وهو مصير كل مَن خالَفهم .... ولعل اختيار عيسى في القراءة يجلو لنا موقفه من القراءات النوادر، فهو يقبل منها ما يُوافق مذهبه، ويعتد به في بناء القاعدة النحوية، ولو كان مخالفًا للرسم، فهو يُجيز نصب (غير) من قوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] على الاستثناء، ويُجيز منع صرْف (مصر) من قوله تعالى: {اهْبِطُوا مِصْرًا} [البقرة: 61] على إرادة مصر من الأمصار قياسًا على (هند) ، ويقرأ قوله تعالى: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 15] (قلوبِكم) ، ورفَض قراءة (نُتَّخذ) بالبناء للمفعول من قوله تعالى: {مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ} [الفرقان: 18] ، شأنه في ذلك شأن أبي عمرو بن العلاء الذي رفض القراءة مُعلِّلًا موقفه بقوله: لا يجوز (نُتَّخَذ) ، ولو كانت لحذفت (من) الثانية، فقلت: (أن نُتَّخَذَ من دونك أولياء) " [2] .

(1) القراءات الشاذة وتوجيهها النحوي؛ للدكتور محمود أحمد الصغير، ص 109.

(2) القراءات الشاذة وتوجيهها النحوي؛ للدكتور محمود أحمد الصغير، ص 109، 110، بتصرف، وإعراب القرآن للنحاس، ج 3، ص 107، 108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت