وقف بعض علماء اللغة المحدثين من الاستشهاد بالقراءات موقف الناقد لصنيع النحاة؛ حيث إنهم اتَّهموا النحاة بتحكيم قواعدهم في القراءات الصحيحة التي نقلها الفصحاء العلماء، ويرون أن أقيسة النحاة أوهى من بيت العنكبوت، وأن البصريين منهم قد تسرَّعوا فوَهَّوْا بعض القراءات تعصُّبًا لمقاييسهم النظرية التي وضعوها دون استقراء وافٍ، ومن هنا أخذ علماء اللغة المحدثون على النحاة عدم استيعاب قواعدهم للقراءات، وإضاعتهم على أنفسهم ونحوهم مئات الشواهد الْمُحتج بها.
ومن علماء اللغة مَن وقف موقفًا معتدلًا؛ حيث قرر أن القراءات قد أمدَّت الدرس النحوي بما وسَّع من أُفقه، وأغناه على مَرِّ العصور، فهي مصدر من مصادر الدرس النحوي عند البصريين والكوفيين.
ومنهم مَن يرى أنها من أهم العلوم الإسلامية؛ لأنها أوثقها اتِّصالًا بالنص القرآني، وهي التي أصَّلت منهج النقل اللغوي عند العرب، بما أصَّلت من الاعتماد على الرواية [1] .
ومن علماء اللغة المحدثين مَن رأى أن القراءات تُمثل منهجًا في النقل لا يصل إلى وثاقته علم آخر، وأنها مرآة صادقة تعكس الواقع اللغوي الذي كان سائدًا في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، ومنهم مَن يرى أن علم القراءات من العلوم التي ينبغي الاعتماد عليها في دراسة العربية الفصحى؛ لأن رواياتها هي أوثق الشواهد على ما كانت عليه ظواهرها الصوتية والصرفية والنحوية واللغوية بعامة في مختلف اللهجات، بل إن من الممكن القول بأن القراءات الشاذة هي أغنى مأثورات التراث بالمادة اللغوية، والتي تصلح أساسًا للدراسة الحديثة" [2] ."
(1) ينظر: موقف علم اللغة من أصول النحو العربي؛ للدكتور مطير بن حسين المالكي، ص 12، وفقه اللغة؛ للدكتور أحمد قدورة، والقياس في النحو؛ للدكتور سعيد جاسم الزبيدي.
(2) ينظر: موقف علم اللغة من أصول النحو العربي؛ للدكتور مطير بن حسين المالكي، ص 12، واللهجات العربية؛ للدكتور عبده الراجحي، ص 184، والقراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث؛ للدكتور عبد الصبور شاهين، ص 7، 8، وعلم اللغة للدكتور محمود سليمان ياقوت، ص 132، 133.