وقد ذكرت الدكتور خديجة أيضًا أن ابن مالك لم يكن يجد حَرَجًا من الاعتماد على القراءات الشاذة في بناء القواعد والأقيسة، ومثال ذلك اعتماده على قراءة شاذة لأعرابي في قوله تعالى: (صِراط الْذين) - بتخفيف اللام - فراح يجعل من هذه القراءة قاعدة قاس عليها جواز تخفيف اللام في الأسماء الموصولة الأخرى، وابن مالك قد بنى هذه القاعدة وقاس من دون أن يَعرِف صحة هذه القراءة أو خطأها، ومدى تواتُرها، أو كونها من الآحاد التي انفرَد بقراءتها هذا القارئ، دون اعتماد على سماعٍ أو تحقُّقٍ من صحة راويها [1] .
تقول الدكتورة خديجة الحديثي:"أما أبو حيان فقد وقف موقفًا وسطًا بين المدرستين، فلم يتشدَّد فيها تشدُّد البصريين، فيَرفض كلَّ ما خالَف القواعد والأقْيسَة التي بنَوها، ولم يتساهل تساهُلَ الكوفيين وابن مالك، فيَعتمد على الشاذ منها، أو على ما تفرَّد بقراءته شخصٌ لا يَعرِف من القراءة شيئًا، وكان يعتمد على صحة القراءة وتواتُرها، فهو يرى أن القراءات قد جاءت على لغة العرب قياسها وشاذها، ولكن لا يجوز أن يُؤخذ بجميعها، إنما يجب الأخذ بما صحَّت روايته منها، لذلك نجده يأخذ بقراءة السبعة ويعتمد عليها، ويبني القاعدة على ما وردت به هذه القراءة، حتى ولو كانت مخالفة لنصوص النحاة البصريين وأقْيستهم؛ لأن القرَّاء السبعة عربٌ أقْحاح عُدول، تلقَّى أكثرهم القراءة عن الصحابة، فأعلى القراءات وأصحها عنده ما أجمعت عليه السبعة" [2] .
يقول الدكتور عبد العزيز الدليمي:"وقف أبو حيان من القراء والقراءات موقف يُحمَد عليه، وبعَث في قلوبنا الإجلال والإكبار، وكان موقفه يتلخَّص في دفاعه عن القراء والقراءات؛ ففي قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام: 137] ، قرأ ابن عامر بنصب (أولادَهم) ، وجرِّ (شركائهم) ، ففصَل بين المصدر المضاف إلى الفاعل بالمفعول، فردَّها الزمخشري، وردَّ"
(1) السابق نفسه، ص 50، بتصرف.
(2) السابق نفسه، ص 49.