وبذلك يتَّضح موقف المبرد من القراءات؛ إذ كان شأنه في ذلك شأن معظم البصريين الذين كانوا يردون بعض القراءات لمخالفتها أقْيستهم النحوية فحسب.
يقول الدكتور فاضل صالح السامرائي:"إن أبا الفتح لا يختلف كثيرًا عن سائر النحاة في ذلك، وهو - وإن ألَّف كتاب (المحتسب) في توجيه القراءات الشاذة - كغيره من النحاة، يرد ويُضعِّف طائفة من القراءات السبع، وعلى كل حال كان أسلم موقفًا من شيخه أبي علي الذي صنع كتاب (الحُجة) في توجيه القراءات السبع، فيقول:"إلا أننا مع ذلك لا ننسى تقريبه على أهل القرآن؛ ليحيطوا به، ولا ينأَوْا عن فَهمه، فإن أبا علي رحمه الله عمِل كتاب (الحجة) في القراءات، فتجاوز فيه قدر حاجة القراء إلى ما يَجفو عنه كثير من العلماء، وقد خرَّج قراءة حمزة: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ) .
ليست هذه القراءة عندنا من الإبعاد والفحش والشناعة والضَّعف على ما رآه فيها، وذهب إليه أبو العباس، وخرَّجها على أنها مجرورة بباء ثانية، ثم حُذِفت لتقدُّم ذكرها"، في حين يقول شيخه في هذه الآية في قراءة حمزة:"وأما من جر الأرحام، فإنه عطف على الضمير المجرور بالباء، وهذا ضعيف في القياس، وقليل في الاستعمال، وما كان كذلك، فتركُ الأخذ به أَوْلَى" [1] ."
ويقول الدكتور فاضل أيضًا:"وابن جني في كتاب (المحتسب) جمع القراءات الشاذة، وجاهَد في توجيهها، وهو مع ذلك رذَّل فيه قراءات، وضعَّف أخرى، وذكَر أن بعضها لا يُعرَف في اللغة؛ من ذلك:"
1 -قراءة ابن مُحيصن: (ثُمَّ أَطَّرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ) ، بإدغام الضاد في الطاء، قال ابن جني في (المحتسب) : هذه لغة مرذولة.
2 -قراءة أبي جعفر: (لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا) ، قال ابن جني في (المحتسب) : هذا ضعيف عندنا جدًّا؛ وذلك أن الملائكة في موضع جر، فالتاء إذًا مكسورة، ويجب أن تَسقُط ضمة الهمزة من"اسجدوا"لسقوط الهمزة أصلًا إذا كانت وصلًا.
(1) ابن جني النحوي؛ للدكتور فاضل صالح السامرائي، ص 127، 128.