المطلب الأول: موقف المبرد ت 285 هـ:
"وكان المبرد يُعزِّز أقيسته بالقراءات، فقد استشهد بقراءة أُبَي، وعبد الله بن مسعود، والحسن البصري، والأعرج، وأبِي عمرو بن العلاء" [1] .
ولا شك أن البصريين ينتمون إلى مدرسة واحدة، ولكننا نجد عند بعضهم اجتهادات فردية كالمبرِّد، ويبدو لنا أنَّ ردَّهُ بعض القراءات صادر بسبب الشك في الرواية، أو التمسك بالأصل النحوي، وقد أُخِذ عليه ردُّهُ بعض القراءات، وصنيعُهُ هذا اقتدى فيه بشيخه المازني؛ إذ نقل في مقتضبه ما أثبته المازني في تصريفه، وقد وصف الأستاذ المرحوم محمد عبد الخالق عضيمة هذا الصنيع بأنه حملةٌ آثمةٌ على القُراء [2] .
ولا يُنكَر أنَّ المبرِّد ردَّ بعض القراءات أو رجَّحَ وجهًا على وجهٍ، ومن هذه القراءات قوله تعالى: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء: 90] ، وهي قراءة السبعة، ويبدو أن المبرِّد - رحمه الله - اختار قراءة (حَصِرةً) ، واختيارُهُ هذا قريبٌ إلى قياس العربية في دَلالتها على الحال؛ لأن قراءة (حَصِرت) بالْمُضي تدلُّ على الدعاء، وقد عدَّ الأستاذ عضيمة - رحمه الله - قول المبرِّد هذا جرأةً منه، وقراءة (حَصِرةً) هي قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي [3] .
وقد رد قراءة همز (معايش) في قوله تعالى: (وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ) ، وقراءة الهمز هي قراءة زيد بن علي، والأعمش، وخارجة بن مصعب عن نافع بن أبي نعيم؛ يقول المبرد: فأما قراءة مَن قرأَ (معائش) فهمَز، فإنه غلط، وإنما هذه القراءة منسوبة إلى نافع بن أبي نعيم، ولم يكن له علم بالعربية، وله في القرآن حروف قد وقف عليها.
(1) المقتضب؛ للمبرد ج 2، ص 202، وج 1، ص 238؛ تحقيق الدكتور عبد الخالق عضيمة.
(2) يُنظر: مقدمة تحقيق المقتضب؛ للدكتور عبد الخالق عضيمة، ج 1، ص 111، وظاهرة تخطئة النحويين للفصحاء والقرَّاء؛ بحث للدكتور عبد الجبار علوان النايلة، مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد السابع والثلاثون، الجزء الأول، ص 302، سنة 1986 م.
(3) ينظر المقتضب، ج 4، ص 124، 125، والنشر في القراءات العشر، ج 2، ص 251.