فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 40

ومثل ذلك كلامه على القراءات في كلمة (أماني) من قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة: 78] .

يقول الفراء:"فالأماني على وجهين في المعنى، ووجهين في العربية، فإن من العرب مَن يُخفف الياء، فيقول:"إلا أمانيَ وإن هم"، ومنهم مَن يُشدِّد، وهو أجود، وكذلك ما كان مثل أُضحية وأُمنية، ففي جميعه الوجهان: التخفيف، والتشديد" [1] .

فالفراء هنا قد رجَّح قراءة التشديد على قراء التخفيف، وإن كان قد قبِلهما جميعًا.

الصورة الثالثة: رد القراءة بسبب شذوذها، وما يترتب عليها من معنًى فاسد للآية:

وفي هذه الصورة ردَّ الفراء بعض القراءات وضعَّفها، ويُعلل ذلك الدكتور محسن هاشم بقوله:"وهذا فيما يبدو لي نابع من خَللٍ منهجي اعتمده النحاة، أدَّى بهم إلى الوقوع في شَرَكٍ خطير، ومزلقٍ كبير؛ نتيجةً لإنزال القرآن الكريم أعلى وأرقى نصٍّ عربي وصَل إلينا سليمًا من التصحيف، مُنزهًا عن التحريف، وتبعًا له قراءاته - أنزلوها على قواعدهم العقلية ومناهجهم المنطقية، فترى أحدهم يَحتج بقول شاعر مجهول، ويترك الأخذ عمن نقَل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" [2] .

يقول الفراء:"وقوله: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام: 137] ، وكان بعضهم يقرأ: (وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتلُ أولادهم) ، فيَرفع القتل إذا لم يُسمَّ فاعلُه، ويرفع (الشركاء) بفعلٍ ينويه كأنه قال: زيَّنه لهم شركاؤهم، وفي بعض مصاحف الشام (شركايهم) بالياء، فإن تكن مثبتة عند الأولين، فينبغي أن يقرأ (زُيِّن) ، وتكون الشركاء هم الأولاد؛ لأنهم منهم في النَّسَب والميراث، فإن كانوا يَقرؤون (زَيَّن) ، فلست أعرف جِهتها، إلا أن يكونوا فيها آخذين بلغة قوم يقولون: أتيتها عشايا، ثم يقولون في تثنية الحمراء (حمرايان) ، فهذا وجه أن يكونوا قالوا: (زَيَّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركايهم) ، وليس قول من قال: إنما أرادوا مثل قول الشاعر:"

فزَجَجْتُها مُتمكنًا = زجَّ القلوصَ أبي مَزادهْ

(1) معاني القرآن؛ للفراء، ج 1، ص 49.

(2) موقف الفراء من القرارات المتواترة في كتابه معاني القرآن؛ للدكتور محسن هاشم درويش، ص 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت