وبعد أن انتهى الأستاذ الأفغاني من نقده موقفَ النحاة من الاحتجاج بالقراءات - وخصوصًا الشاذة - واستعراضه أقوالَ بعض القدماء - من القرَّاء والمفسرين والفقهاء الذين اتَّفق معهم في موقفهم الناقد والمهاجم والمتَّهم للنحاة - راح يُعطي الدواء؛ ليَقطَع دابر الداء، وليَستأصِل هذا الوباء من جذوره، فقال:"والمنهج السليم في ذلك أن يُمعِنَ النحاة في القراءات الصحيحة السند، فما خالَف منها قواعدهم، صحَّحوا به تلك القواعد، ورجعوا النظر فيها؛ فذلك أَعْوَدُ على النحو بالخير، أما تحكيم قواعدهم الموضوعة في القراءات الصحيحة التي نقلها الفُصحاء، فقلبٌ للأوضاع، وعكسٌ للمنطق؛ إذ كانت الروايات الصحيحة مصدر القواعد لا العكس" [1] .
وبذا يكون قد اتَّضح موقف الأستاذ الأفغاني من القراءات والاحتجاج بها.
يقول الدكتور مطير بن حسين المالكي:"يرى الدكتور محمد عيد في كتابه (الرواية والاستشهاد) أن النحاة صرفوا أنفسهم قصدًا عن الاستشهاد بالقرآن والحديث، مع علمهم بوجود هذه الثروة الموثقة من النصوص، إلا أنهم تَحرَّجوا من استخدامها في دراستهم، ووقف التحرُّز الديني بينهم وبين الإفادة منها، ويرى أن النحاة سلكوا مسلكًا مضادًّا لِما كان ينبغي، فذهبوا يُوثِّقون نصوص القرآن والحديث بما هو أقل منها توثيقًا فيما أُطلق عليه (كلام العرب) ، ويرى أيضًا أن تدخُّل العامل الديني في موقف النحاة من نصوص القرآن والسنة أمرٌ جانَب التوفيقَ من وجهة النظر الحديثة، باعتباره عاملًا دخيلًا، لم يكن من المفيد اعتباره في دراسة اللغة، وكان من واجب النحاة أن يُوجِّهوا جهودهم لدراسة القرآن والحديث بعد التأكُّد من توثيق القراءات والأحاديث، بدلًا من الرهبة الدينية التي حرَمتْهم وحرَمتْنا معهم من الاعتماد على نصوص موثَّقة هي القرآن والسنة، ويرى أنه من المفيد الآن أن نُعيد تصحيح ما سنَّه لنا الأقدمون في هذا الموضوع من سُنة غير حسنة، وأن نُنحِّي عن أذهاننا الرَّهبة الدينية أمام نصوص القرآن والسنة، باعتبارها رهبةً مفتعلة، لم يكن لها ما يُسوِّغها في دراسة لغوية لنصوص القرآن والحديث" [2] .
(1) السابق نفسه، ص 32، 33.
(2) موقف علم اللغة من أصول النحو العربي؛ للدكتور مطير بن حسين، ص 13، 14.