فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 40

يقول الأستاذ الأفغاني:"وقد ظهر لك أن القراءة الشاذة لا يَقدَح في الاحتجاج بها عربيةُ قادحٍ، فمخالفة الرسم بزيادة كلمة أو نقص حرف، لا تُؤثر في صحة بناء القواعد عليها، هذا وخير تعبير عن منهج القراء قول أحد أئمَّتهم أبي عمرو الداني: (وأئمة القرَّاء لا تَعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، والرواية إذا ثبَتت عندهم لم يردَّها قياس عربية، ولا فُشوُّ لغةٍ؛ لأن القراءة سُنة متبعة يَلزَم قَبولها والمصيرُ إليها) ، هذا دستور القراء أثبتوه في كتبهم، وكانوا في تطبيقه على غاية من الدقة والأمانة، فكانوا منهجيين منطقيين قولًا وعملًا، فهل كان النحاة كذلك؟!" [1] .

ختم الأفغاني كلامه السابق بهذا السؤال، ثم راح ينتقد موقف النحاة من القراءات الشاذة، ذاكرًا أن في قواعدهم النحوية بعض الثغرات التي من شأنها أن تَسِمَ منهجهم بالخلل وعدم الدقة؛ يقول الأستاذ الأفغاني:"الحق أن النقد يجد في صف النحاة وفي وقواعدهم ثغرًا عدة يَنفُذ منها إلى الصميم، فهم يريدون بناء قواعدهم على كلام العرب، فيجمعون نُتَفًا نثرية وشعرية من هذه القبيلة ومن تلك، من أعرابي في الشمال إلى امرأة في الجنوب، ومن شعر لا يُعرَف قائله إلى جملة غير منسوبة، يجمعون هذا إلى أقوال معروفة مشهورة، ويضعون قواعد تَصدُق على أكثر ما وصل إلينا بهذا الاستقراء الناقص الذي لا يَستند إلى خطة محكمة في الجمع، حتى إذا أتت بعضهم قراءةٌ صحيحة السند تُخالف قاعدته القياسية، طعَن فيها، وإن كان قارئها أبلغَ وأعرب من كثيرٍ ممن يَحتج النحوي بكلامهم! فلا استقراؤه كامل أو كافٍ، ولا لشواهده التي استند إليها بعض ما للقراءات الصحيحة من القوة، ولا للغة التي تَخضَع للمقاييس التي ابتدَعها، وخير ما يَصِف اضطراب موقفهم هذا قول الرازي: (إذا جوَّزنا إثبات اللغة بشعر مجهول منقول عن قائل مجهول، فلأن يُجوَّز إثباتها بالقرآن العظيم، كان ذلك أَوْلَى .... وكثيرًا ما ترى النحويين يتحيَّرون في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهول فرِحوا به، وأنا شديد التعجب منهم، فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وَفْقه دليلًا على صحته، فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلًا على صحته كان أَوْلَى) " [2] .

(1) السابق نفسه، ص 31.

(2) السابق نفسه، ص 31، 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت