يقول الدكتور محمد خير الحلواني:"وأول نحوي وقَفنا له على رأي في بعض القراءات هو أبو عمر بن العلاء، فقد ردَّ قراءة لمحمد بن مروان المدني، هي (هؤلاء بناتي هنَّ أطهرَ لكم) ، بنصب أطهر، وجعل (هن) صمير فصل لا إعراب له، فقال: احتبى ابن مروان في هذا باللحن"، وقرأ أبو جعفر وشيبة (ليُجزَى قومًا بما كانوا يكسبون) ، فعدَّ أبو عمرو قراءتهما لحنًا ظاهرًا؛ لأنهما نَصَبَا نائب الفاعل (قومًا) ، وقال في قراءة الشِّجَرة - بكسر الشين: يقرأ بها برابرة مكة وسودانها، ولا شك أن أبا عمرو لا يُنكر القراءة، إلا لأنه لا يَثِق بروايتها عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك حال النحويين الذين طعَنوا ببعض القراءات" [1] ."
المطلب الرابع: موقف سيبويه ت 180 هـ:
تقول الدكتور خديجة الحديثي:"أما سيبويه - شيخ النحاة البصريين الذين كانوا يُخضعون القراءات لأقيستهم وإجماعهم وأصولهم التي وضعوها، وإن كانت من القراءات السبع التي اعتُمِدت ونُقِلت نقلًا متواترًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم عند أكثر الباحثين - فلم يَعِب قارئًا، ولم يُخطِّئ قراءة، بل كان يذكرها؛ ليُبين وجهًا من العربية فيها، وليُقوِّي بها ما ورد عن العرب، وإن كانت القراءة من القراءات المفردة، لا يردها ولا يَصِفها بالشذوذ أو الخطأ، ولا يصف القارئ بالخطأ أو يَطعُن فيه، إنما يُحاول تخريجها على إحدى لغات العرب، وهو الذي يعتبر اللغات الواردة عن العرب فصيحة صحيحة، وليس المتكلم بها مخطئًا، فكيف يُخطِّئ القرَّاء وهم أئمة المسلمين وأعلامهم، وما قرؤوا به لا يُخالَف؟!" [2] .
يقول الدكتور محمود نحلة:"وأُثِر عن سيبويه استشهاده بما عُرِف من بعدُ بالقراءات الشاذة إذا لم تخالف قياسًا معروفًا، فإذا خالفت القراءة القياس، أعرض عن ذكرها، وتجنَّب الإشارة إليها، أو ذكرها وذكَر رأي بعض أساتذته فيها دون تعقيبٍ منه، ومن ذلك أنه لم يذكر قراءة ابن عامر: (كن فيكون) بالنصب، وكذلك فعل في قراءة حمزة: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ) بجر الأرحام عطفًا على الضمير"
(1) أصول النحو العربي؛ محمد خير الحلواني، ص 37.
(2) الشاهد وأصول النحو في كتاب سيبويه؛ للدكتورة خديجة الحديثي، ص 51.