فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 40

بعض النحاة - نَحَّوْا جانبًا الاستشهاد ببعض القراءات - وخصوصًا الشاذة - وليس كل القراءات، وأن فريقًا منهم قد نَحَّى الحديث للأسباب التي ذكرها هذا الفريق، وهي أن الحديث كان يُروى بالمعنى، وأن معظم رُواته كانوا من الأعاجم، فالدكتور مطير يرى أن الدكتور عيد يُنكر جهود النحاة جُملةً وتفصيلًا، لكنَّ هذا أمرٌ غير صحيح؛ إذ إن كل ما صنَعه الدكتور عيد أنه حاوَل أن يَجد مبررًا لعدم استشهاد بعض النحاة ببعض القراءات والحديث النبوي، وقد أرجع ذلك إلى التحرُّز ومراعاة العُرف الديني، ودليل ذلك أنه هو نفسه قد أنكَر ذلك على النحاة، وعاب عليهم هِجْرانَهم بعضَ القراءات والحديث، ونادى بضرورة تَنْحِية العُرف الديني أو الرهبة الدينية جانبًا، وإنكاره هذا أمرٌ غير عجيب؛ فقد أنكر من قبلُ ابن الطيب الفاسي على النحويين ردَّهم بعض القراءات، ومن المحدثين من أنكر أيضًا؛ مثل: الأستاذ سعيد الأفغاني، والشيخ محمد الخضر حسين، وغيرهم كثير.

المطلب الثالث: موقف الشيخ محمد الخضر حسين ت 1958 م:

يقول الشيخ محمد الخضر حسين:"وأفضل ما يُحتج به في تقرير أصول اللغة القرآن الكريم؛ فإنه نزل بلسان عربي مبين، ولا يَمتري أحد في أنه بالغٌ في الفصاحة وحُسن البيان الذِّروة التي ليس بعدها مُرتقى، فنأخذ بالقياس على ما وردت عليه كَلِمُه وآياته من أحكام لفظية، ولا فرق عندنا بين ما وافَق الاستعمال الجاري فيما وصل إلينا من شعر العرب ومنثورهم، وما جاء على وجهٍ انفرَد به، ولا نتَّبع سبيل مَن يَحيدون عن ظاهره، ويذهبون به مذهب التأويل ليوافق آراءهم النحوية" [1] .

فالشيخ محمد الخضر هنا يَقصُر أفضلية الاحتجاج في تقرير وتقعيد الأصول والمسائل اللغوية عامةً على القرآن وقراءاته؛ وذلك لأن القرآن أعلى طبقات الفصاحة والبيان، وأوجَب أن نقيس على كَلِمه وألفاظه قواعد النحو واللغة، وأنه لا فَرْقَ بين ما وافَق منه الاستعمالَ الجاري على كلام العرب، وبين ما جاء منه على وجهٍ انفرَد به، ويَقصِد بذلك القراءات الشاذة التي جاءت مخالفة لما عليه كلام العرب، فهو هنا يدعو إلى الأخذ بالقراءات الشاذة وإن خالَفت القياس.

(1) دراسات في اللغة العربية وتاريخها، محمد الخضر حسين، ص 30، 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت