فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 40

إن موقف النحاة واللغويين من القراءات موقف موحَّد لا يختلف فيه كوفي عن بصري، والحق أن كثيرًا من النحاة قد وقفوا من بعض القراءات موقفًا مجانبًا للصواب، ولكن هؤلاء النحاة لم يكونوا كلهم بصريين، فكما كان منهم بصريون؛ أمثال: المازني ت 209 هـ، والمبرد ت 285 هـ، والزجاج ت 310 هـ، كان منهم أيضًا كوفيون؛ أمثال: الكسائي ت 189 هـ، والفراء ت 207 هـ، بل ربما كان الكسائي هو الذي بدأ تَخطئة القرَّاء؛ إذ نرى الفراء يتوقَّف في كتابه (معاني القرآن) مرارًا؛ ليقول: إن الكسائي كان لا يُجيز القراءة بهذا الحرف أو ذاك، ويُفهَم من بعض نصوص معاني القرآن للفراء أنه يَرُدُّ بعض القراءات، ويَرمي بعض القرَّاء بالوهْم" [1] ."

والباحث يتفق مع الدكتور عبد العزيز كل الاتفاق، ودليلي ما ذكره الدكتور شوقي ضيف من أن الكسائي والفراء قد فتَحا للبصريين التالين لهما تَخْطئة بعض القراءات، بينما أغلق الكوفيون الذين خلَفوهما هذا الباب، وأن القارئ لكتاب سيبويه لا يجد تَخطئة واحدة لقراءة من القراءات مع كثرة ما استشهد منها، بل إن سيبويه قد صرَّح بقَبولها جميعًا مهما كانت شاذَّة عن مقاييسه؛ حيث قال سيبويه: القراءة لا تُخالَف؛ لأنها السُّنة"، وأن الخليل شيخ سيبويه كان يَحترم القراءات ولا يَطعُن فيها [2] ."

المطلب الثاني: موقف عيسى بن عمر الثقفي ت 149 هـ:

يقول القفطي:"يقال: إن أبا الأسود لم يضع من النحو إلا باب الفاعل والمفعول فقط، وإن عيسى بن عمر وضع كتابه على الأكثر وبوَّبه وهذَّبه، وسَمَّى ما شذَّ عن الأكثر لغات، وكان يَطعُن على العرب، ويُخطِّئ المشاهير منهم؛ مثل: النابغة في بعض أشعاره، وغيره [3] ."

يقول ابن الجزري:"قال أبو عبيد القاسم بن سلاَّم: كان من قرَّاء البصرة عيسى بن عمر الثقفي، وكان عالِمًا بالنحو، غير أنه كان له اختيار في القراءة على مذاهب العربية يُفارق قراءة العامة، ويَستنكره الناس، وكان الغالبَ عليه حبُّ النصب إذا وجد لذلك سبيلًا" [4] .

(1) الدراسات النحوية واللغوية في البحر المحيط؛ للدكتور عبد العزيز الدليمي، ص 80.

(2) المدارس النحوية؛ للدكتور شوقي ضيف، ص 157؛ بتصرف.

(3) إنباه الرواة على أنباه النحاة؛ للقفطي، ج 2، ص 375.

(4) غاية النهاية في طبقات القراء؛ لابن الجزري، ج 1، ص 613.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت