يقول الدكتور علي أبو المكارم:"حاوَل الأستاذ سعيد الأفغاني أن يَدعَم هذا الاتجاه الذي يَحتج بكل القراءات القرآنية، بما فيها القراءات الشاذة، منطلقًا من نقطة بدء تختلف إلى أبعد غايات الاختلاف عن النقطة التي بدأ منها النحاة في احتجاجهم بهذه القراءات؛ إذ يبدأ من مُسلَّمة عنده بأن"القياس يتضاءل عن السماع"، لينتهي منها إلى أن"قراءات القرآن جميعها حجة في العربية - متواترها وآحادها وشاذها - وأكبر عيبٍ يُوجَّه إلى النحاة عدم استيعابهم إياها، وإضاعتهم على أنفسهم ونحوهم مئات من الشواهد المجتمع بها، ولو فعلوا لكانت قواعدهم أشدَّ إحكامًا"، في حين أن النحاة إنما يبدؤون من ضرورة البحث عن مصدر جديد للمادة اللغوية، يهدف إلى تأييد ما تسلم إليه الأقيسة النحوية، فهم يرتكزون على قاعدة غير التي انطلق منها الأستاذ الأفغاني، وهي التدليل على صحة القياس ونتائجه، وليس"أفضلية السماع على القياس"كما ذهب" [1] .
ومما سبق يتلخَّص موقف الأستاذ سعيد الأفغاني من القراءات في نقطتين:
الأولى: متابعته العلماء الذين قالوا بالاحتجاج بالقراءات كلها: المتواترة، والآحاد، والشاذة.
الثانية: نقده بعض النحاة الذين عابوا القرَّاء ولَحَّنوهم، وردُّوا بعض القراءات بحجة مخالفتها الأقيسة النحوية التي وضعوها.
أما النقطة الأولى: فقد تابَع العلماء في قولهم، وذكر أن النص القرآني هو النص الصحيح المجمع على الاحتجاج به في اللغة والنحو، والصرف وعلوم البلاغة، وأن القراءات القرآنية التي وصلت إلينا بالسند الصحيح حُجة لا تُضاهيها حُجة، وأن الطرق المختلفة للقرآن في الأداء صحيحة أيضًا، وأن روايات القرآن - سواءً أكانت متواترة، أم شاذة - يُحتج بها، والقراءة الشاذة لا يُقرَأ بها، ولكن يُحتج بها في اللغة والنحو.
وراح يُعلل موقفه هذا بقوله: لأنها رُوِيت عن الصحابة وقرَّاء التابعين، وهم بطبيعة الحال ممن يُحتج بكلامهم العادي، بَلْه قراءاتهم التي تَحَرَّوْا ضبْطها جهد طاقتهم كما سمِعوها من الرسول صلى الله عليه
(1) أصول التفكير النحوي؛ للدكتور علي أبو المكارم، ص 128.