يقول السيوطي:"أما القرآن فكل ما ورَد أنه قُرِئ به، جاز الاحتجاج به في العربية؛ سواءً كان متواترًا، أم آحادًا، أم شاذًّا."
وقد أطبق الناس على الاحتجاج بالقراءات الشاذة في العربية إذا لم تُخالف قياسًا معروفًا، بل ولو خالفته يُحتجُّ بها في مثل ذلك الحرف بعينه، وإن لم يَجُز القياس عليه، كما يُحتج بالْمُجمع على وروده ومخالفته القياس في ذلك الوارد بعينه، ولا يُقاس عليه؛ نحو: (استحوَذَ) ، و (يَأْبَى) ، وما ذكرته من الاحتجاج بالقراءات الشاذة لا أعلم فيه خلافًا بين النحاة، وإن اختلف في الاحتجاج بها في الفقه، ومِن ثَم احتُجَّ على جواز إدخال لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء الخطاب بقراءة: (فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا) [1] ، كما احتُجَّ على إدخالها على المبدوء بالنون بالقراءة المتواترة: {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت: 12] " [2] ."
يقول الدكتور عصام أبو غربية:"اهتم السيوطي بالقراءات القرآنية جميعها - المتواتر منها والشاذ - ولم يكن كالقدماء في عدم اعتداده بالشاذ، بل استشهد بالقراءات الشاذة، وكان في بعض المواضع يَعزوها إلى أصحابها، فقد استشهد بقراءة أبي قِلابة: (مَن الكذاب الأَشَرُّ) على حذف الهمزة من (خير وشر) ، وقراءة أبي حَيْوة: (فأرسلنا إليها روحنا) بالتشديد، وفسَّره ابن مِهْران بأنه جبريل" [3] .
ثم ذكر الدكتور عصام أيضًا أن السيوطي كان يستشهد في بعض المواضع بالقراءات الشاذة دون أن يَنسِبها إلى أصحابها، ودون أن يَنُصَّ على أنها قراءة شاذة، ومن ذلك: استشهاده بقراءة"الحِبُك"- الشاذة - على أن (فِعُل) من أوزان الأسماء الثلاثية المجردة المهملة، وقد خرَّجها على أنها من تداخُل اللغات أو الإتباع لحركة تاء التأنيث في الكسر.
وأيضًا استشهاده بما قُرِئ في الشاذ: (أَوْكلما عاهَدوا) بسكون الواو، وذلك من تسكين المفتوح؛ لثِقَل الحركة على الواو، وليست على هذا الوجه للعطف، بل هي في معنى المفتوحة [4] .
(1) وهي قراءة يزيد بن القعقاع، وقد قرأ الجمهور: (فبذلك فليَفْرحوا) ، وفي مصحف أُبَي: (فبذلك فافرحوا) .
(2) الاقتراح للسيوطي، ص 96، 97.
(3) أصول النحو عند السيوطي بين النظرية والتطبيق؛ للدكتور عصام أبو غربية، ص 71.
(4) السابق نفسه، ص 71، 72، بتصرف.