فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 40

ومما سبق يتَّضح أن الدكتور محمد عيد نحا بالمسألة نحوًا آخرَ؛ إذ إنه يقول بتعمُّد النحاة تَنْحِيةَ بعض القراءات والحديث الشريف، مُعللًا ذلك بما أسماه"الرهبة الدينية"، أو"العُرف الديني"، أو ربما قصد الدكتور أن النحاة رغِبوا في تنزيه النص القرآني والحديثي عن الاستشهاد به في النحو، والثلجُ في ذلك أنه كان عليهم الاعتماد على النصوص القرآنية والحديثية - بعد توثيقها - في الاستشهاد للقواعد النحوية.

وقد ذكر الدكتور محمد عيد أن نصوص القرآن والسنة - صحيحة أو غير صحيحة - ينبغي أن يُنحَّى من النظر اللغوي إليها ما داخَله من العُرف الديني، وما أدَّى إليه قديمًا من الانصراف عن استنباط القواعد منها، كما ينبغي في ضوء هذا الفَهْم درسُها من جديد باعتبارها مصدرًا مهمًّا يُمثِّل نثْر الفصحى في عصر ظهور الإسلام" [1] ."

يقول الدكتور مطير بن حسين المالكي:"ونقول للدكتور محمد عيد: إنَّ قوله بالتحرز الديني وانصراف النحاة قصدًا عن الاستشهاد بالقرآن والحديث، وتوثيق النحاة للقرآن والحديث بما هو أقل منها فصاحةً، كل ذلك غير صحيح، ولا يثبُت أمام الحقيقة العلمية، بل إنه ينافي جهود النحاة في خدمة القرآن والحديث، تلك الجهود التي ظهرت على شكل مؤلفات عظيمة في غريب القرآن والحديث، ومعاني القرآن، ومجاز القرآن، وإعراب القرآن."

وبهذا يتَّضح أنَّ الحكم على جهود النحاة من خلال وجهة النظر الحديثة، حكم غير دقيق؛ لأنَّ النحاة القدماء لهم الفضل بعد الله في الحفاظ على لغة القرآن، وبحوثهم اللغوية يَشهَد لها القاصي والداني من عرب وغيرهم، فلم يُنَحُّوا القرآن عن دراستهم، بل خدموا لغته، واتَّصلت معظم جهودهم به، فكتاب سيبويه يَحوي ما يَربو على ثلاث مائة آية جاءت لدعم شواهده، أو تقرير قواعده، ومن الواضح تَحامُل الدكتور محمد عيد على النحاة، وعدم اعترافه بجهودهم، حين يرى أن يبدأ من حيث هو؛ ليُقيم نحوًا غير نحوهم، وكأن النحو العربي جملًة وتفصيلًا في نظره لا يصلح أن يكون نحوًا" [2] ."

يتضح من كلام الدكتور مطير السابق أن قد فَهِم كلام الدكتور محمد عيد بشكل مُطلق وعام، وأن الدكتور عيد يُعمِّم الأحكام، لكن ربما كان الدكتور محمد عيد يقصد بكلامه أن النحاة - أو بمعنى أدق

(1) الرواية والاستشهاد، د. محمد عيد، ص 262.

(2) موقف علم اللغة من أصول النحو العربي؛ للدكتور مطير بن حسين، ص 14، 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت