فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 40

وقد انبرى الدكتور محمد حسن عبد العزيز يرد على الشيخ محمد الخضر حسين فيما ذهب إليه - مُحتجًّا بقول السيوطي في الاقتراح - قائلًا: ولسنا نرى ما رآه الشيخ الجليل من القياس على القراءات التي لا توافق الاستعمال الجاري في لغة العرب لأمور؛ من ذلك: أن المشهور بين النحاة الاحتجاج بما ورد في القراءات - متواترة أو شاذة - مخالفًا ما ورد عن العرب في ذلك الوارد بعينه، ولا يُقاس عليه، وفي ذلك يقول السيوطي: وقد أطبق الناس على الاحتجاج بالقراءات الشاذة في العربية إذا لم تُخالف قياسًا معروفًا، بل ولو خالَفته يُحتجُّ بها في مثل ذلك الحرف بعينه، وإن لم يَجُز القياس عليه، كما يُحتج بالْمُجمع على وروده ومخالفته القياس في ذلك الوارد بعينه، ولا يُقاس عليه.

-كما أنه لو جاز القياس عليها، لاضطربت القواعد اضطرابًا شديدًا، وأصبح لكل مَن يخالفها مندوحة بقراءة تُجيز ما خالَف فيه، وأذكر هنا مثالًا من أمثلةٍ يُمكن أن تُساق في هذا المجال، فالقياس أو القاعدة أن يُنصَب الفعل المضارع بعد (أن) المصدرية، وألا يجوز حذفها، بيدَ أنه قد ورد عن العرب قولهم: (تَسمعَ بالمعيدي خيرًا من أن تراه) بنصب (تسمع) ، فقال النحاة: يُحفظ ولا يُقاس عليه، وقد عاب الشيخ محمد الخضر قولهم هذا، وقال: وقد جاء على نحو هذا المثل قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الروم: 24] ، ويقتضي ارتفاع منزلة القرآن في الفصاحة وأخْذه بأحسن طُرق البيان، أن يُجرى حذف (أن) المصدرية كما ورد في الآية مُجرى ما يَصِح القياس عليه.

هذا وقراءة (يُريكم) بالنصب - إذا كان ثَمة قراءة - أشبه بالقراءة الشاذة في نصب (أَعبدَ) في قوله تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر: 64] ، يقول ابن خالويه في (شواذ القراءات) في توجيه هذه القراءة: وقال بعضهم: أراد أن أعبدَ.

فإذا أضفنا إلى هذا أن القراءة المجمع عليها برفع (يُريكم) ، وقيل في توجيهها: إن الفعل قد رُفِع بعد حذف أن - ظهر لنا أنه يجوز - بمقتضى ما دعا إليه الشيخ من القياس - أن نقول:

من الخير تقرأ قياسًا على مَن قرأ (يُريكم) بالنصب، ومن الخير تقرأ قياسًا على مَن قرأ (يريكم) بالرفع، وأَوْلَى من ذلك أن يقال: إن حذف (أن) مقصور على السماع مطلقًا، فلا يُرفع ولا يُنصب بعد الحذف إلا ما سُمِع، وإلى هذا الرأي ذهَب متأخِّرو المغاربة، وهو الصحيح كما يقول الأُشْمُوني [1] .

(1) القياس في اللغة العربية؛ الدكتور محمد حسن عبد العزيز، ص 82 - 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت