فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 54

وهذا الذي فَهمته عائشةُ - رضي الله عنها - واشتهر ذلك عنها في كتب السُّنة وغيرها، وهذا الذي فهمه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أيضًا؛ (انظر فتاوى اللجنة الدائمة: 9216) .

الدليل الثاني: قوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 13، 14] .

ووجه الدلالة من الآية: أن الصالحين لا يسمعون بعد موتهم، وغيرهم مثلهم بَداهة، بل ذلك من باب أولى كما لا يخفى، فالموتى كلُّهم إذًا لا يسمعون.

الدليل الثالث: حديث قَليب بدر: والحديث أخرجه البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال:"وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - على قَليب بدرٍ فقال: (( هل وَجدتم ما وَعد ربُّكم حقًّا؟ ) )ثم قال: (( إنهم الآن يَسمعون ما أقولُ ) )، فذُكِر لعائشة فقالت: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنهم الآن يعلمون أنَّ الذي كنتُ أقول لهم هو الحق ) )ثم قرأت: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} حتى قرأت الآية".

وعند البخاري ومسلم أيضًا من حديث أبي طلحة رضي الله عنه:

"أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أمرَ يوم بدرٍ بأربعةٍ وعشرين رجلًا من صناديد قريش فقذفوا في طويٍّ من أطواء بدر خبيث مُخبَّث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليالٍ، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجتِه حتى قام على شَفَة الرَّكِيِّ، فجعل يُناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: (( يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربُّنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعدكم ربُّكم حقًّا؟! ) )فقال عمر: يا رسول الله، ما تُكَلِّم من أجسادٍ لا أرواح فيها؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفس مُحمد بيده، ما أنتم بأسمع مما أقول منهم ) )."

قال قتادة رحمه الله:"أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونِقمة وحدةً وندمًا".

ووجه الاستدلال بهذا الحديث يتضح بملاحظة أمرين:

الأول: ما في الرواية الأولى من تقييده - صلى الله عليه وسلم - سماع موتى القَليب بقوله:"الآن"فإن مَفهومه أنهم لا يَسمعون في غير هذا الوقت وهو المطلوب، وهذه الفائدة نبَّه عليها العلَّامة الألوسي في كتابه"روح المعاني" (6/ 455) : ففيه تنبيه قوي على أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت