الأمر الآخر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرَّ عمر وغيره من الصَّحابة على ما كان مُستقرًّا في نفوسهم واعتقادهم أن الموتى لا يسمعون، فقد قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم:"ما تكلِّم من أجساد لا أرواح فيها؟".
وجاء في"مسند الإمام أحمد"عن أنس - رضي الله عنه - قال:"فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله، أتناديهم بعد ثلاث؟ وهل يسمعون؟ يقول الله عز وجل: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} ، فقال: (( والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا ) )".
ومن هذا يتضح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر الصَّحابة - وفي مُقدِّمتهم عمر - على فَهمهم للآية على ذلك الوجه العامِّ الشامل لموتى القَليب وغيرهم؛ لأنه لم يُنكره عليهم، ولا قال لهم:"أخطأتم"فالآية لا تنفي مُطلقًا سماع الموتى، بل إنه أقرَّهم على ذلك، ولكن بيَّن لهم ما كان خافيًا عليهم في شأن القليب، وأنهم سمعوا كلامه حقًّا، وأنَّ ذلك أمرٌ خاصٌّ مُستثنى من الآية مُعجزة له - صلى الله عليه وسلم.
يقول قتادة - رحمه الله - أحدُ رواة الحديث:"أحياهم الله حتى أسمعهم توبيخًا، وتصغيرًا، ونقمة، وحسرة، وندامة".
الدليل الرابع: ما أخرجه الإمام أحمد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن لله ملائكة سيَّاحين في الأرض، يُبلغونني عن أمتي السَّلام ) ).
ووجه الاستدلال به أنه صَريح في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يَسمع سلام المُسلِّمين عليه، إذ لو كان يَسمعه بنفسه لما كان بحاجَة إلى مَن يُبلِّغه إليه، كما هو ظاهر لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى.
وإذا كان الأمر كذلك، فبالأولى أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يسمع غير السلام من الكلام، وإذا كان كذلك، فلَأَنْ يسمع السلام غيره من الموتى أولى وأحرى، ثم إن الحديث مطلق يشمل حتى مَن سلَّم عليه - صلى الله عليه وسلم - عند قبره.
قال الشيخ الألباني رحمه الله:"لم أرَ مَن صرَّح بأن الميِّت يسمع سماعًا مطلقًا كما كان شأنه في حياته، ولا أظن عالمًا يقول به".
القول الثاني: ذهب فريق من أهل العلم إلى أن الموتى يسمعون في الجملة، ولا يسمعون في كل الأحوال.
وهناك فريق آخر رأى أنهم يسمعون في كل الأحوال، لكنَّهم لا يستطيعون الانتفاع بما يسمعونه أو حتى مجرَّد الردِّ.