قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - كما في كتابه"الروح" (ص 60) :"وأما قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، فسياق الآية يدل على أن المراد منها: أن الكافر الميِّت القلب لا تقدر على إسماعه إسماعًا يَنتفع به، كما أن مَن في القبور لا تقدر على إسماعهم إسماعًا ينتفعون به، ولم يُرد سبحانه أن أصحاب القبور لا يسمعون شيئًا البتَّةَ، كيف وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يسمعون خَفق نعال المُشيِّعين؟ وأخبر أن قتلى بدر سمعوا كلامه وخطابه، وشُرع السلام عليهم بصيغة الخطاب للحاضر الذي يسمع، وأخبر أن مَن سلَّم على أخيه المؤمن ردَّ عليه السلام، وهذه الآية نظير قوله: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل: 80] ."
وقد يقال: نفي إسماع الصُّم مع نفي إسماع الموتى، يدل على أن المراد عدم أهليَّة كل منهما للسماع، وأن قلوب هؤلاء لمَّا كانت ميِّتة صمَّاء كان إسماعها ممتنعًا بمنزلة خطاب الميِّت والأصم، وهذا حق، ولكن لا ينفي إسماع الأرواح بعد الموت إسماع توبيخ وتقريع بواسطة تعلقها بالأبدان في وقت ما، فهذا غير الإسماع المنفي، والله أعلم.
وحقيقة المعنى: أنك لا تستطيع أن تُسمع من لم يشأ الله أن يُسمعه، {إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ} [فاطر: 23] ، أي: إنما جعل الله لك الاستطاعة على الإنذار الذي كلَّفك إياه لا على إسماع من لم يشأ الله إسماعه"."
وقال الشيخ عمر الأشقر في"القيامة الصغرى":"ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الميِّت يسمع قَرع نعال أصحابه، بعد وضعه في قبره؛ فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن العبد إذا وُضِع في قبره، وتولَّى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم ) )؛ (مسلم) ."
ووقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد ثلاثة أيام من معركة بدر على قتلى بدر من المشركين فنادى رجالًا منه، فقال: (( يا أبا جهل بن هشام، يا أُميَّة بن خلف، يا عُتبة بن ربيعة، يا شَيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعدكم ربُّكم حقًّا؟ فإني قد وَجدت ما وعدني ربي حقًّا ) )فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، كيف يسمعوا؟ أنَّى يجيبوا وقد جيَّفوا؟! قال: (( والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا ) )ثم أمر فسُحبوا، فألقوا في قَليب بدر؛ (البخاري) .
واستدل فريق من أهل العلم بهذا الحديث على أن الموتى يسمعون، وممن ذهب إلى ذلك: ابن جرير الطبري وابن قُتيبة وغيرهما من العلماء.